تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4628

مساهمون:

ص٤٦٢٨
عَظِيمٍ
( 107 ) [ الصافات ] ، وعن يونس : العرب إذا ارتحلوا عن الدار قالوا : انظروا أنساءكم أي الشئ اليسير نحو العصا والقدح . تمنت لو كانت شيئا تافها لا يؤبه له من شأنه وحقه أن ينسى في العادة ، وقد نسي وطرح فوجد فيه النسيان الذي هو من حقه ، وذلك لما لحقها من فرط الحياء ( أي الحال التي توجب الاستحياء ) من الناس على حكم العادة البشرية لا كراهة لحكم اللّه ، أو لشدة التكليف عليها إذ بهتوها ، وهي عارفة ببراءة الساحة وبضد ما قرفت به ، من اختصاص اللّه إياها بغاية الإجلال والإكرام ، لأنه مقام دحض « 1 » قلما تثبت فيه الأقدام : أن تعرف اغتباطك بأمر عظيم ، وفضل باهر تستحق به المدح ، ويستوجب التعظيم ، ثم تراه عند الناس لجهلهم عيبا يعاب به ، أو يعنف بسببه ، أو لخوفها على الناس أن يعصوا اللّه تعالى بسببها . في هذا الكرب الشديد الذي لا تمرد فيه كانت تحف بها مكارم اللّه ، وخوارق العادات .
فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ( 24 ) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا
( 25 ) .
فَناداها
الفاء عاطفة ، وهي تفيد الترتيب ، وضمير الفاعل يعود على جبريل ؛ لأنه المذكور ، وهو روح اللّه تعالى الذي أرسله اللّه تعالى :
فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
وقالوا :
مِنْ تَحْتِها ،
أنه كان قد جعله
مِنْ تَحْتِها
قابلا للغلام الطاهر عند نزوله كما تستقبل القابلة المولود ، وذلك من كلاءة اللّه تعالى وحمايته لها ، إذ كانت معزولة عن النساء وهي عذراء ليس لها تجربة في الحمل والولادة من قبل ، فكان من رعاية اللّه تعالى أن يسخر لها روح القدس ، ليكون القريب منها في هذه العزلة وهذا الانفراد عن المعاون والقريب ، وقيل : إن ضمير الفاعل يعود على عيسى ويكون ذلك النداء خارقا للعادة ولكن نستبعد هذا ، أولا : لأنه لم يكن هنا ذكر للغلام حتى يعود إليه ، وثانيا : لأن اللّه لم يذكره آية
هامش
( 1 ) الدّحض : الزّلق ، والإدحاض : الإزلاق . لسان العرب . دحض .
زهرة التفاسير — صفحة 4628 | محمد أبو زهرة