ولقد استنبط من هذا القصص عن ذي القرنين أنه لا يجوز للملك ما دام في قدرة وسعة أن يفرض ضرائب ترهق ، ويقول في ذلك : « إن الملك فرض عليه يقوم بحماية الخلق في حفظ بيضتهم ، وسد فرجتهم ، وإصلاح ثغورهم من أموالهم التي تفيء عليهم ، وحقوقهم التي يجمعها في خزائنهم حتى لو أكلتها وأنفذتها المؤن فكان عليهم جبر ذلك من أموالهم وعليه حسن النظر وذلك بشروط ثلاثة :
الشرط الأول - ألا يستأثر عليهم بشيء .
والشرط الثاني - أن يبدأ بأهل الحاجة .
والشرط الثالث - أن يسوى في العطاء « 1 » .
أخذ بعد ذلك ذو القرنين يبنى السد محكما لا يتفلت منه أحد إليهم .
آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً
( 96 ) .
زُبَرَ الْحَدِيدِ
قطع الحديد الكبيرة ،
حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ
الصدفان : جبلان جعل السد بينهما ، وبعد أن وضع الحديد من قطع كبير علا بها حتى تساوى مع أعلى الجبلين وتنضد الحديد بينهما تنضيدا ، جمع الأحطاب ، وأشعل فيها النار ليصهر الحديد ،
قالَ انْفُخُوا
، أي في الحديد الذي ساوى فيه بين الصدفين ، وساماهما ، أي انفخوا في مشعل الأحطاب ،
حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً
صهره واحمر انصهر ، وصار نارا باحمراره بارتفاع درجة حرارته ارتفاعا شديدا ، وصار لونه أحمر شديدا يتلظى بعد هذا العمل ،
قالَ آتُونِي
النداء للعمال الذين قاموا بزبر الحديد وصهروها ،
أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً
، وهو النحاس المصهور المذاب .
ولعله جعل النحاس طبقة فوق الحديد تربط أجزاءه وتسوى جدار سطحه .
هامش
( 1 ) من الجامع لأحكام القرآن للقرطبي : 11 / 55 .