لقد عرض أولئك القوم الذين كانوا بين السدين على ذي القرنين أو طلبوا منه أن يبنى لهم سدّا بعد أن شكوا له أن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ، وعرضوا عليه أن يجعلوا له خرجا على أن يبنى لهم سدا
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا
( 94 ) ، الخرج قالوا إنه ضرائب يفرضونها على أنفسهم ، وعبروا عن الضرائب بالخرج لأنها تخرج من أيديهم إليه ، ولأنه يكون كخراج الأرض أو الأنفس على حسب ما يراه هو ، إما أن يأخذ الضرائب على النفوس أو المال أو العقار ، وقد عرضوا ذلك في عبارات مقربة مدنية ، فجعلوها على صورة استفهام ، فقالوا كما حكى القرآن :
فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً
، أي هل يسوغ أن تجعل لك خرجا ، والفاء للإفصاح عن شرط مقدر ، أي إذا كانوا مفسدين فاجعل لك خرجا على أن تبنى لنا سدا .
ولكن ذا القرنين العادل وجد أن من قوانين الحكم العادل أن يقوم بالإصلاح ودفع الفساد من غير أجر يدفع ، بل إن عمل الخير ضريبة الحكم الصالح ؛ ولذا قال :
قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً
( 95 ) .
الردم أقوى من السد ، وقد قال في ذلك الزمخشري :
رَدْماً
، أي حاجزا حصينا موثقا ، والردم أكبر من السد من قولهم ثوب مردم ، أي رقاع فوق رقاع ، أي أنى أبنى لكم سدا وثيقا قوى .
والمعنى ما مكنّى فيه ربى ووسع علىّ فيه وبسط لي خير من خرجكم ، فلست مستعينا بخرج ، ولكني مستعين بقوة منكم ، فأعينونى بقوة تحتمل العمل من رجالكم ، أي فلست أحتاج إلى المال ، ولكن أحتاج إلى أيد عاملة تعمل ، ولقد قال القرطبي في معنى هذه الآية الكريمة : « ما بسطه اللّه لي من القدرة والملك خير من خرجكم وأموالكم ، ولكن أعينوني بقوة الأبدان ، أي برجال وعمل منكم بالأبدان والآلة التي أبنى بها الردم وهو السد » .