تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4590

مساهمون:

ص٤٥٩٠
ونراه صار مكونا من حديد ممسوكا بالنحاس ، فصار قويا سادّا كل الثغرات ، وبذلك صار مرتفعا عاليا فوق طاقتهم أن يرتفعوا إلى أعلاه ، وينزلوا إلى أسفله عند الذين استغاثوا منهم ؛ ولذا قال تعالى :
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً
( 97 ) . إذا كان قد بنى ذلك البناء المحكم ، وبأدوات قوية لا تنقض ، وبهندسة نضدت زبر الحديد ، وأسكب ذوب النحاس ، فإن يأجوج ومأجوج لا قبل لهم بالوصول إلى أرضهم يبيدون فيها الحرث والنسل .
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ
، أي أن يعلو إلى ظهره ، لأنه بنى مرتفعا ارتفاعا فوق طاقتهم أن يصعدوا إليه ،
وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً
وما استطاعوا أن ينقبوه في جانب من جوانبه ؛ لأنه حديد مصهر ثم تجمد مستقا . وبعد أن وفق ذو القرنين ذلك التوفيق .
قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا
( 98 ) . بعد أن عمل ذلك العمل - الذي لا مثيل له في تاريخ البشر إلى عصر من عمله - لم ينسبه إلى نفسه ، بل جعله من ربه ، والإشارة في
هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي
إلى أن البناء وتدبيره ، ومادته ، ليس من قدرة الإنسان إنما هو من توفيق الديان وقال : إنه من رحمة اللّه بعباده ؛ لأن من رحمته تعالت قدرته أن الفساد وأهله يدفع بأهل الخير والصلاح
. . . وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ
( 251 ) [ البقرة ] . ولم ينس اليوم الآخر ، والبعث فجعل الحد لزمانه هو يوم البعث ، فقال :
فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ
، أي يتدكد ويجعله أرضا مستوية ، لا علو فيها ، ولو كان من حديد ونحاس . ثم أكد البعث فقال :
وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا
لا يرتاب فيه عاقل ، واللّه أعلم .