تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4580

مساهمون:

ص٤٥٨٠
بقبيح في ذاته ولا يستنكره عرف ولا عقل ، وهذا هو معنى الإحسان وهو الإتقان وفضل العدل وزيادته . بعد هذا التردد في النفس الصافية المهدية بهدى اللّه انتهى إلى القرار العدل الذي تهتدى إليه كل نفس برّة تقية ، وقد ذكره اللّه تعالى بقوله سبحانه :
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً ( 87 ) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً
( 88 ) . هذا قانون العدل وهو أن يجازى المسىء على إساءته ، والمحسن بإحسانه ، هذا ما استقر عليه أمره واعتزمه ؛ ولذا قال معتزما تنفيذه :
أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً
، أي عذابا شديدا بالغا أقصى أحوال الشدة حتى ينزل بهم ولم يتوقعوه وينكروه لغرابته عليهم ، فالنكر هو الأمر المستنكر مما وقع عليه ، وقد أكد في القول وقوعه في المستقبل ب ( سوف ) الدالة على توكيد وقوع الفعل في المستقبل . والظلم يقع على كل المنكرات ؛ لأن الظلم يكون بنقص الحقوق ، والتفريط فيها ، ويكون بمجاوزة حد المعقول ، فيقع على الشرك ، وإن الشرك لظلم عظيم ويقع على كل المنهيات من المعاصي كالقتل وشرب الخمر والزنى ، ورمى المحصنات ، والعذاب النكر يكون بالجزاء الذي يملكه ملك عادل جزاء دنيوي . هذا هو جزاء المسىء في قانون العدل الذي سنه ذو القرنين لنفسه ، لا يفلت المسىء ، وكذلك لا ينقص المحسن من جزاء حسن ؛ ولذا قال :
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى
الحسنى مبتدأ خبره الجار والمجرور ، أي فالحسنى له جزاء ، ف
جَزاءً
تمييز محول عن الخبر ، وكان التمييز متضمنا البيان بعد الإبهام أو الإجمال ، وفي ذلك فضل بيان وبلاغة ، وقال :
فَلَهُ
( اللام ) للاختصاص ، وكان من كرم اللّه أن جعله حقا للمحسن وليس عطاء يعطى أعطية ، وكان ذلك منّا وفضلا .
زهرة التفاسير — صفحة 4580 | محمد أبو زهرة