تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4583

مساهمون:

ص٤٥٨٣
بين الناس كشأن الحاكم العادل تأداه إلى المطلع بالنسبة له فأتبع سببا ، واتجه إلى المطلع ، حتى إذا بلغه ،
وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً
، الضمير يعود إلى الشمس ، أي وجد الشمس تطلع على ناس تشرق عليهم لافحة لهم أو غير لافحة ، لم يجعل اللّه لهم من دونها مقاوما لها سترا ، يسترهم عنها فلم تكن لهم ظلال تظلهم ، وظاهر القول أنهم لم تكن لهم ثياب تسترهم منها في ظلها وحرورها ، وهذا أنهم بدائيون ليسوا متحضرين وليست لهم أي حضارة إنسانية ، بل هم على البداوة الأولى ، وإن كان لهم بعض القوة أو المصادر المالية ، وقد وصف هؤلاء الأقوام بوصف فيهم وفي أرضهم ، أما أرضهم فهي أنها ليس فيها بناء يظل ، ولا شجر يثمر ، وأما أنفسهم ، فهو أنهم على البداوة الأولى وقد أفادت الوصفين ، الكلمة السامية
لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً
، أي ساترا يسترهم من حر لافح أو برد قارس . وجه اللّه تعالى ذا القرنين إلى هؤلاء الأقوام ، كما وجهه إلى المغرب لينشر العدل والأمان والاطمئنان فيهم ، وإن هذا التوجه ، يكون منه ما كان أولا ، ويحمل متاعب ؛ ولذلك قال تعالى :
كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً
( 91 ) . الإشارة إلى ما كان منه أولا من إقامة العدل ، ووضع الموازين العادلة بينهما ، والتشبيه هو بين ما قام أولا في المغرب وبين ما يقوم الآن أو ما يجب أن يقوم به الآن في المشرق ، أي أنه بمقتضى ما وهبه اللّه تعالى من مواهب القوة والقدرة على التنفيذ والشعور بالعدالة الواجبة ، ووضع موازين قد كلفه مرة ثانية في المشرق أن يصلح ويدفع الفساد في المشرق ، كما أصلح في المغرب ، وهكذا يهب اللّه البشرية في بعض الأزمان رجلا صالحا ينشر العدل والإصلاح ويمنع الفساد ، وفي بعض الأزمان يختبر اللّه تعالى الناس ليظهر الخبيث من الطيب ببعض رجال الفساد - أو دول الفساد - يسيطر ، فيضل ويفسد كما نرى في عصرنا ولا حول ولا قوة إلا باللّه تعالى .