ومهما يكن فالسؤال وقع ، وسئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك الملك الصالح المعروف باسم ذي القرنين ، فالسؤال كان عن شخص بعينه ، وكان من أوصافه كما يدل سياق الآيات على أنه كان ممكّنا ، وأنه حكم في مشرق الأرض ومغربها ، وأنه ابتدأ في حكمه بالمغرب ، وأنه كان عادلا يجزى المسىء جزاء إساءته ، ويجزى المحسن جزاء وفاقا لإحسانه ، وأنه كان مرجع الذين يؤذون من بعض بنى الإنسان ، وأنه أقام سدا بين الأشرار ومن يتأذون منهم .
وكان من حقنا أن نكتفي بمعرفة صفاته وأفعاله ولا نحتاج في فهم ذلك إلى معرفة شخصه أو من أي قبيل هو ، فإن ذلك لا يزيد علما بالقرآن ومعانيه ، كما لا يهمنا شخصية فرعون موسى ، ولا في أي قرن من الزمان كان بعثه .
ولكن المفسرين تعرضوا لمعرفة شخصه ، فقال قائل : إنه كان في عصر إبراهيم ولا مستند لهذا القول ، وقال آخرون مستندين إلى بعض آثار منسوبة للنبي صلى اللّه عليه وسلم : إنه الإسكندر المقدوني باني الإسكندرية حوالي سنة 300 قبل ميلاد المسيح عليه السّلام ، وعلى هذا الرأي أكثر المفسرين الذين تصدوا لذلك ، ولكن قام على هذا الرأي ثلاثة اعتراضات :
الاعتراض الأول - أن هذه الآثار لم تصح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ذكرها ابن جرير ، وكذبها الحافظ ابن كثير .
الاعتراض الثاني - أنه كما ذكر في عبارات القرآن كان موحّدا ، حتى ادعى أنه نبي ، والإسكندر المقدوني المعروف عنه أنه كان يدين بوثنية اليونان والرومان .
الاعتراض الثالث - أنه سمى في القرآن بأنه ذو القرنين ، ولم يكن المقدوني ذا قرنين ، ولم يسم ذا القرنين .
وقد أجيب عن الثاني بأن كونه كان في قوم وثنيين لا يقتضى أن يكون وثنيا ، فالنجاشى كان في النصارى ، وكان مؤمنا موحدا ، فإذا كان القرآن ذكر ذا القرنين مشيرا إلى أنه موحد ، فليس في أخبار المقدوني ما ينفى وحدانيته .
زهرة التفاسير — صفحة 4576
مساهمون: محمد أبو زهرة
ص٤٥٧٦