وإن القصة تضمن معنى جليلا ، وهو أن علم الغيب هو علم اللّه الذي اختص به سبحانه يعلّمه من يشاء ، وأن طاقة الإنسان الفكرية لا تكون إلا في ظواهر الأعمال ، والنتائج التي تكون ثمرة الأسباب الظاهرة ، فعلينا أن نسير فيها على مقتضاها ، ونبنى أعمالنا عليها ، ولكن مع ذلك نفرض أن الأسباب لا تنتج بذاتها ، إنما ينتج بإرادة اللّه تعالى ، وبمقتضى علمه المكنون الذي أحاط بكل شئ علما ؛ ولذا أمرنا بعد اتخاذ الأسباب أن نتوكل على اللّه تعالى ، مفوضين الأمور إليه ، ولذا يقول اللّه تعالى :
. . . وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ . . .
( 159 ) [ آل عمران ] .
وأن ما يجريه اللّه تعالى معنا ربما لا يتفق مع ما نرغب ، ولكن قد يكون ما غيّبه اللّه تعالى خيرا لنا ، كما رأينا في خرق السفينة ، وقتل الغلام ، وإقامة الجدار فإنه في هذه الأمور كان خرق السفينة الذي هو عمل اللّه تعالى سخر له عبدا صالحا من عباده خفى أمره على الناس .
ومن الفوائد التي اشتملت عليها الآيات أن رحمة اللّه تعالى تعم دائما ولا تخص ، وأن رحمته تكون على الضعفاء ، فقد قدر سبحانه وتعالى أن السفينة كانت لمساكين يعملون في البحر ، فقرر أن تخرق لتكون معيبة ، فلا يأخذها الذي يأخذ كل سفينة غصبا ، وهذه من رحمة اللّه تعالى بالمساكين الذين يعملون في البحر صائدين أو ناقلين لما ينفع الناس .
وإن قدر اللّه تعالى يجرى على بقاء الصالح ، وفناء غير الصالح ، ولذا قتل الخضر الغلام الذي خشي أن يرهق أبويه الصالحين طغيانا ويبدلهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما .
وفي القصة من الآداب الإنسانية ، والأخلاق العالية الكثير ، فنرى أنه يجب على الإنسان أن يطلب العلم ، وأن يبذل الجهد في طلبه غير مدخر في ذلك جهدا ؛ فهذا موسى عليه السّلام يسير في طلب العلم حتى يلقى النصب .