لأنه لا مفاضلة بين علم اللّه تعالى وعلم غيره ، والمراد كما أشرنا يعلم علما لا يسامى ولا يناهد .
وإن مع علمه المحيط بحالهم يعمل بمشيئته المطلقة ،
إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ
ورحمته سبحانه وتعالى بأن يهديكم إلى السير في طريق الإيمان ، وإذا سرتم فيه رحمكم بالإيمان ، وهو أكبر رحمة للإنسانية ،
أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ
، بأن تسيروا في طريق الضلالة فتصلوا فيه إلى غايته ، فيكون منكم الضلال والشرك ، فيكون ذلك الضلال عذابا لكم في الدنيا باضطراب نفوسكم وبعدكم عن الفطرة ، وفي الآخرة يكون العذاب الأليم ، ألا يكلمهم اللّه يوم القيامة ولا يزكيهم .
ولقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم حريصا على إيمان المشركين ، حتى قال له ربه :
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
( 3 ) [ الشعراء ] ، ولذا قال تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
، أي موكولا إليك أمورهم بقسرهم على الإيمان ، بل إنا أرسلناك بشيرا ونذيرا ، وقد بشرت وأنذرت فما عليك بعد ذلك تبعة كفرهم وضلالهم :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
( 56 ) [ القصص ] .
ولقد بين سبحانه بعد ذلك أن اللّه يعلم من في السماوات ومن في الأرض ، وأنه هو الذي يعلم حيث يجعل رسالته فقال :
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً
( 55 ) .
صدر الكلام ب ( ربك ) للإشارة إلى أنه الخالق والقائم على خلقه ، وهو الذي يعلم ما خلق ، وقلنا : إن أفعل بالنسبة للّه تعالى لا يكون على بابه ؛ لأنه لا مفاضلة بين الذات العلية وغيرها .
وذكر سبحانه علمه بمن في السماوات ومن في الأرض ، وذكر العقلاء في السماوات إشارة إلى الملائكة ، وعقلاء الأرض هم بنو الإنس والجن .