وما لا تقصد فيه ، ولا يعمد فيه إلى الشر مقصودا ، وإنما يحاسب على ما تكسبه النفس ويربد به القلب ، ولذا قال :
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ
وأفعل التفضيل ليس على بابه ؛ لأنه لا مفاضلة بين علمه سبحانه وعلم غيره ، فلا يعلم خفى النفوس إلا خالقها الرقيب على كل شئ ، العالم بكل شئ ، وإنما المراد من أفعل التفضيل أنه سبحانه عالم بالنفوس علما لا يصل إليه علم قط .
وإذا كان يعلم النفوس ، فهو يعلم ما تكسبه النفس ، وتسوء به النية ويسود به القلب ، ويعلم ما لا يقصد سوءا ، وليس فيه إساءة إلا أن تجىء عفوا من إيراد الشر ، ولا نية .
وصدّر الكلام بقوله :
رَبُّكُمْ
للدلالة على علمه الدقيق ؛ لأنه هو الذي خلق وأبدع ، وربى ونمى ،
إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ
إن تكونوا في ذات أنفسكم صالحين بقلوبكم وأنفسكم ، فإن اللّه كان للأوابين غفورا ، والصالح هو المستقيم النفس ، المملوءة نفسه بالإخلاص ، والطاهر القلب ، فالاستقامة هي الصلاح كله والاستقامة تقتضى النية المخلصة والنفس النيرة ، سأل بعض الصحابة النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يرشده إلى كلمة يقولها فتهديه ، فقال له صلى اللّه عليه وسلم : « قل آمنت بالله ثم استقم » « 1 » .
وجواب الشرط
إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ
هو كما أشرنا قوله تعالى :
فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً
الأواب هو الذي يرجع إلى الحق دائما ، فإذا ضل عن الطريق آب إليه ، وإذا ابتعد قليلا عن العمل الصالح آب إليه ، لا يركس نفسه في شر أبدا ، وبذلك يكون سريع التوبة لا يعصى ، ولا تريد نفسه معصية ، فإن المعصية إذا عرضت على النفس نكتت نكتة سوداء ، فإذا تكررت أربد القلب ، فالأواب التواب لا تنكت في قلبه نكته سوداء ، فيتوب ، فيغفر له اللّه ، وقد وصف اللّه تعالى ذاته الكريمة ، فقال :
فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً
وقد أكد ذلك سبحانه بأن وبكان ، وبصيغة المبالغة ، كما قال تعالى :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى
( 82 ) [ طه ] .
هامش
( 1 ) رواه أحمد : مسند المكيين - حديث سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه ( 14869 ) .