ولا تكون كذلك من غيرها ، و
أَحَدُهُما
فاعل يبلغن ، أو كلاهما معطوفة على أحدهما ، والمعنى إن يبلغن عندك الكبر واحد منهما أو الاثنان فلا تقل لهما أف .
والتوكيد في بلوغ الكبر ، ذكر لحالهما الضعيفة التي تقتضى الرعاية والإكرام في القول والعمل ، وقوله تعالى :
عِنْدَكَ
للدلالة على أنهما لجآ إليه لضعفهما ولشيخوختهما يعيشان في كنفه وظل قوته ، ونعمته يرعاهما ، ولا ظل لهما غير ظله ، وقد تكون هذه الحياة المستمرة ، مع ضعف الشيخوخة ، واستقذار بعض ما يكون منهما أو من أحدهما داعيا لبعض الضجر ، فتتفلت منه عبارة تضجر أو تأفف ، فنهاه سبحانه وتعالى عن مثل هذا فقال :
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
وهو صوت يصدر عن الإنسان في حالة ضجره ، فنهى حتى عن ذلك ، وإذا كان صوت التأفف أو التضجر منهيا عنه ، فغيره أولى ، ولذا أردفه بقوله :
وَلا تَنْهَرْهُما
بأن يلومهما عن بعض ما يقع منهما ، فإن ذلك منهى عنه ، وذلك لأنهما تضعف مسئوليتهما لضعفهما في كل قواهما ، وقال بعض العلماء : إن معنى النهر هو النهى ، فهما من مادة واحدة ، وكأنه لا يتضجر منهما ولا ينهاهما ؛ لأن النهى فيه منافاة لحسن الصحبة ، فإن كان منهما ما يوجب النهى لا ينهى ، بل يتلطف في القول منبها إلى ما يريد من غير مصارحة بالنهى ، ولذا قال :
وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً
بدل التأفف والنهى والنهر ، والقول الكريم : هو القول الجميل الذي يكون فيه تنبيه إلى ما يجب من غير أن يظهر من التضجر أو التأفف أو النهر أو النهى ، أو اللوم فإنهما قد بلغا سنا علت بهما عن التأديب والنهى . والنهر واللوم من أعمال التربية والتهذيب ، ولا يليق بهما ذلك ، بل يوطئ كنفه في الفعل والقول ، ويصح الاستعاضة في التنبيه بالإشارة عن العبارة ، وألا يتكلم إلا بما يرضيهما .
وإن الحياة واستمرارها في بيته قد توقعهما في شئ من ذلك ، فلا بد أن يدّرع بدرع يكون وقاية له من أن يقع في شئ من هذا ، والدرع هو أن يملأ نفسه برحمتهما ، وعين الرحمة عاطفة ، ولا تكون لائمة أبدا ولا تكون متأففة ، ولا متضجرة أبدا ، ولذا قال تعالى :