تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4363

مساهمون:

ص٤٣٦٣
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
( 24 ) . الجناح هنا هو الحياطة والرعاية ، وشبهت هذه المعاني بالجناح الذي يكون به قوة الطائر ، وإضافة الذل إليه لتكون الرعاية ذلا لهما ، وتواضعا من غير استكبار ، وإن ذلك التطامن والانكسار من الرحمة لا من الذلة ، وكان خفض جناح من ذل ، لا من الذلة ، بل من الرحمة ، وفرق بين ذل الرحمة ، فهو عطف ورفق وتطامن ، وذل الاستخذاء والمذلة ، فهو ذل خنوع ، وضعف من غير قوة ، وإن هذا التعبير أعلى ما يمكن من تعبير العطف والرحمة ، ولكنه كلام الرحمن الرحيم ، وإن اللّه تعالى طلب من عبده أن يقول داعيا لهما بالرحمة في كبرهما ، فيقول تعالى :
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
، أي إنك لا تملك أن تصنع لهما ما صنعاه وأنت صغير ، فقد حدبا عليك في محبة يريدان بقاءك وأنت لا تملك هذا فتملك ما يقبله اللّه منك ، وهو الكريم اللطيف الخبير ، وهو الدعاء لهما بالرحمة مخلصا طيب النفس راضيا لعشرتهما مهما تكن حالهما من ضعف . ولقد كتب الزمخشري صفحة في إكرام الأبوين ننقلها بحروفها لجمال لفظها ، وكريم معناها - يقول رضى اللّه عنه : « ولقد كرر اللّه تعالى في كتابه الوصية بالوالدين ، وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم « رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما » « 1 » ، وروى « يفعل البار بوالديه ما يشاء أن يفعل فلن يدخل النار ، ويفعل العاق ما يشاء أن يفعل فلن يدخل الجنة » « 2 » ، وروى سعيد بن المسيب أن البار لا يموت ميتة سوء ، وقال رجل للنبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن أبوىّ بلغا من الكبر أن إلى منهما ما توليا منى في الصغر فهل قضيتهما ؟ » قال : « لا ، إنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك ، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما » « 3 » .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي ، ورجح وقفه ، وابن حبان في صحيحه والحاكم ، وقال : صحيح على شرط مسلم ، وانظر الترغيب والترهيب للمنذري ( 3768 ) : 3 / 221 . ( 2 ) رواه ابن عساكر في تاريخه ، كما في جامع الأحاديث للسيوطي : ( 18324 ) - ج 6 / 220 عن معاذ بن جبل رضى اللّه عنه مرفوعا . ( 3 ) راجع الكشاف للزمخشري : 2 / 444 .