تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4361

مساهمون:

ص٤٣٦١
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
هنا باء محذوفة ، دل عليها دخولها بعد ذلك في قوله تعالى :
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
وهي معطوفة على
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
والمعنى حكم اللّه تعالى حكما دائما ثابتا بأدلته القاطعة ، وآياته البينة بألا تعبدوا إلا إياه فلا يصح عبادة غيره ، وهي إذا كان الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم فالحكم عام خوطب به الناس أجمعون ، وأسند الحكم إلى
رَبُّكَ
؛ لأنه الخالق المنشئ المربى الذي خلقه وربه ، وهو الذي أنزل الآيات ، فذكر الرب ليكون الحكم مشتملا على أسبابه ، وبعد أن حكم حكما تسجله كل الآيات في الوجود بألا يعبد إلا اللّه أعقبه بما يدخل في مضمونه ، وهو الإحسان إلى الوالدين ، ونجد دائما النهى عن الإشراك يقترن به دائما الإحسان إلى الوالدين فيقول سبحانه وتعالى مثلا :
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً . . .
( 151 ) [ الأنعام ] ، وقوله تعالى :
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً . . .
( 36 ) [ النساء ] ، وذلك كثير والحمد للّه . وكأنه في هذا يقرن حق اللّه تعالى الخالق بديع السماوات والأرض ، بالمنشئ نسبيا بإذن اللّه ، وهما الأبوان ، والإحسان إلى الأبوين ليس هو كفالتهما ، وإمدادهما بما يحتاجان إليه فقط ، بل هو أعمق من ذلك في القول والعمل والحيطة بهما ، ولعل أجمع تعبير عن ذلك هو تعبير النبي صلى اللّه عليه وسلم بحسن الصحبة ، فقد سأله بعض الصحابة من أحق الناس بحسن صحبتي يا رسول اللّه ؟ قال : « أمك » قال : ثم من ؟ قال : « أمك » قال : ثم من ؟ ، قال : « أمك » ، قال : ثم من ؟ قال : « أبوك » « 1 » وتقديم الجار والمجرور في قوله تعالى :
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
لمزيد الاهتمام بهما ولإثبات أنهما أولى من دون الناس بالإحسان ، فلا يكون الرجل كريما مفاخرا بالعطاء بين الناس ، ولا يحسن إلى أبويه . وقوله :
إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما
( إما ) هي إن المؤكدة بما ، والتي يبلغ في تأكيد التعليق مبلغ القسم ، ولذا تدخل معها نون التوكيد الثقيلة ،
هامش
( 1 ) متفق عليه ، رواه البخاري : الأدب - من أحق الناس ( 5514 ) ، ومسلم : البر والصلة - بر الوالدين ( 4621 ) .
زهرة التفاسير — صفحة 4361 | محمد أبو زهرة