في حكمهم حتى أسلموه إلى غيرهم ، أو انتزعوه منهم ، وجاء الإسلام فأنقذه من أعدائهم ، وكان في المسلمين قوة ، وكان الإيمان قوتهم ، فلما ضعفوا وهانوا كان الحكام من غيرهم ، فآذاهم فيه النصارى أولا ثم تدرع اليهود بدرع غيرهم وتنمروا .
قال تعالى :
وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً
أي تقدم إليهم في كتابهم الذي نزل عليهم ، كما قال تعالى :
وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ
( 66 ) [ الحجر ] وقيل أوحينا إليهم علما مقطوعا مبتوتا ، ولا شك أن الوحي هنا توجيه نفسي ، وتصريف للقلوب ؛ لأنها غوت وضلت ، وما كان اللّه تعالى يوحى بفساد وإنما هو من إغواء الشيطان . والكتاب هو ما قدره اللّه تعالى في اللوح المحفوظ .
وقد التفت سبحانه وتعالى في تصريف بيانه الحكيم من الغيبة إلى الخطاب فقال :
لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ
وهذا موضع الإعلام الذي هو معنى ما قضاه اللّه وتقدم به إليهم في لوحه المحفوظ ، واللام لام القسم ، والنون نون التوكيد الثقيلة التي تقترن بالقسم وجوبا ، والقسم من اللّه تعالى تأكيد لوقوع الأمر ، كما أقسم سبحانه وهو أنهم « يفسدون في الأرض مرتين » وذكر سبحانه أن فسادهم تكون عاقبته أنه يعم الأرض ، أي أرض بيت المقدس ، أو يسرى في الأرض التي تقاربه ، أما ما حول بيت المقدس فهو مبارك ببركة اللّه تعالى ، كما قال في أول ال سورة :
الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ
، والفساد بان لهم ، ممن على شاكلتهم في الأرض ، وقال سبحانه وتعالى مقسما :
وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً
فقرن علوهم بفسادهم ، وذلك لما استمكن في قلوبهم من الحسد والحقد ، وإن اقتران علوهم بالفساد يفيد أمرين :
الأمر الأول : أن علوهم يعقبه طغيان ، والطغيان يعقبه الفساد .