الأمر الثاني : أن علوهم فيه اعتداء فاجر فاعتداؤهم بقتل الأنبياء وأكلهم الربا والسحت وأن يقتل بعضهم بعضا ، ويلاحظ أنه ذكر الفساد مرتين ، ولم يذكر عدد العلو لأنه لا عدد له إن وجدت أسبابه .
ووصف اللّه تعالى علوهم بأنه يكون علوا كبيرا ؛ وذلك لأنه يكون على أيدي أنبياء ، وسرعان ما تعود إليهم نفوسهم الآثمة فيقتلون ما أعلاهم به الأنبياء إلى فساد وانحراف ، ألم تروه بعد أن أنقذهم اللّه تعالى من فرعون ، وأغرقه وملأه رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم
. . . قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ . . .
( 138 ) [ الأعراف ] ، وعبدوا العجل في غيبة موسى وقد ذهب على موعد من ربه .
فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا
( 5 ) .
أولاهما : هي المرة الأولى التي يفسدون فيها ، وأكد اللّه تعالى الإفساد فيها في ضمن تأكيد الإفساد مرتين .
و
وَعْدُ
معناها - ميعاد - وعبر سبحانه وتعالى بوعد دون التعبير بميعاد ؛ لأن ميعاد اسم للزمن ، ويتضمن الوعد ؛ وذلك لأن المصدر فيه إيذان بتوكيد ما وعدهم اللّه به ، وقد قرن سبحانه وتعالى فساد المرة الأولى ببعث الجيوش المخربة الهادمة أو المذلة لهم أو المذهبة لاستقلالهم .
وقد جعل سبحانه
بَعَثْنا
جواب شرط لقوله تعالى :
فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما
وهي المرة الأولى للفساد ، وهذه القضية الشرطية تفيد أن الفساد في الأمم يتردى إلى أن تكون نهبا للمغيرين عليهم ، وأن الحصن الحصين لمنع غارات المغيرين هو استقامة الأمة في ذات نفسها وإقامة العدالة والحكم بالأمانة والعدل ، وأما فسادها فإنه يؤدى إلى الانهيار وأن تكون طعمة للمغيرين يجدون فيها مغانم يغنمونها .