تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4324

مساهمون:

ص٤٣٢٤
هامش
- الإسراء بالجسم : إن ظاهر الآية القرآنية التي أثبتت الإسراء وهي قوله تعالى :سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، أن الإسراء كان بالجسد والروح ؛ وذلك لأنه سبحانه وتعالى قال :أَسْرى بِعَبْدِهِ، والعبد هو الروح والجسد ، وما دام الظاهر لا دليل يناقضه من عقل أو نقل ، فإنه يجب الأخذ به ، فإنه من المقررات أن الألفاظ تفسر بظاهرها إلا إذا لم يمكن حملها على الظاهر لمعارض ، ولا معارض . وفوق ذلك فإن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم عندما أعلن خبر الإسراء بين قريش ففتن بعض الذين أسلموا وارتد من ارتد ، ويقول في ذلك ابن كثير فيما رواه عن قتادة : « انصرف رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم إلى مكة ، فأصبح يخبر قريشا بذلك ؛ فذكر أنه كذبه أكثر الناس ، وارتدت طائفة بعد إسلامها ، وبادر الصديق إلى التصديق ، وذكر أن الصديق سأله عن صفة بيت المقدس ، وقال : إني لأصدقه في خبر السماء بكرة وعشيا ، أفلا أصدقه في بيت المقدس ، فيومئذ سمى أبو بكر الصديق . وإنه روى أنه عند مروره صلى اللّه تعالى عليه وسلم على عير لقريش فندّ بعير لهم نافرا ، فأرشدهم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم إلى مكانه ، وقد أخبروا أهل مكة بذلك ( الروض الأنف ، ج 1 ، ص 244 ) . وإنه روى أن أهل مكة الذين ردوا القول استوصفوه عيرا لهم فوصفها ، وقد قال صلى اللّه تعالى عليه وسلم في إخبارهم ، والاستدلال على صدقه : « وآية ذلك أنى مررت بعير بنى فلان ، بوادي كذا وكذا ، فأنفرهم حسن الدابة ( هي البراق التي سنذكر الروايات عنه من بعد ) فندّ لهم بعير ، فدللتهم عليه ، وأنا متوجه إلى الشام ، ثم أقبلت ، حتى إذا كنت بضجنان مررت بعير بنى فلان ، فوجدت القوم نياما ، ولهم إناء فيه ماء ، قد غطوا عليه بشيء ، فكشفت غطاءه ، وشربت ما فيه ، ثم غطيت عليه كما كان ، وآية ذلك أن عيرهم تصوب الآن من ثنية التنعيم ( هو المكان ) البيضاء يقدمهم جبل أورق عليه غرارتان ، إحداهما سوداء ، والأخرى برقاء ، فابتدر القوم الثنية . . . وسألوهم عن الإناء وعن العير فأخبروه ، كما ذكر رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم . وإن هذا كله يدل على أن الإسراء كان بالروح والجسد ، فإن تلاقى مع المارين بين مكة والشام وأخبر عن التلاقى ، وصدق خبره صلى اللّه عليه وسلم ، وإذا كانت بعض هذه الروايات في إسنادها كلام ، فإن بعضها يقوى الآخر ، ونص القرآن ظاهر في تأييد الدعوى ، بل لا يدل على غيرها حتى يقوم الدليل . ولو كان الإسراء بالروح أو الرؤيا الصادقة ما كانت ثمة غرابة تمنع التصديق ، ولبادر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بإخبارهم إلى أن ذلك رؤيا في المنام ، أو هذا وحى أوحى به إليه . ولقد كان بجوار هذا القول الذي تنطق به الآية الكريمة قول آخر روى عن أم المؤمنين عائشة رضى اللّه تبارك وتعالى عنها وعن أبيها الصديق ، وروى أيضا عن معاوية بن أبي سفيان ، وقد كان إبان ذلك هو وأبوه من المكذبين الذين يناوءون الدعوة ، ولكن لعله نقل عن غيره ممن شاهدوا ، وعاينوا ، كما نقلت عائشة عن غيرها ، وما كانت في ذلك الإبان قد زفت إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم . وقد كان معاوية مسلما من بعد أم المؤمنين عائشة رضى اللّه عنها وعن أبيها الصديق ، واحتج بقول عائشة هذا ، وقد أثر عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنه أمر بأن يؤخذ الدين عن عائشة . ولكن الخبر عنها يحمل في نفسه ما يوهم عدم صدقه عنها ، ففيه أنها قالت : « لم تفقد بدنه » وإن ذلك يوهم أنها كانت معه في مبيت واحد ، مع إجماع المؤرخين والمحدثين على أنه لم بين بها إلا في المدينة . -