هامش
- المذكور في قوله تعالى :وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا . . .( 51 ) [ الشورى ] وليس من هذه الثلاثة رؤية اللّه تعالى ، وتلقى الرسول منه مباشرة من غير حجاب .
وقد رأى ذلك الرأي الإمام أحمد بن حنبل وقاله أيضا أبو الحسن الأشعري ، وقالت طائفة أخرى لم يقع ذلك لحديث مسلم عن أبي ذر رضى اللّه تبارك وتعالى عنه : « قلت يا رسول اللّه هل رأيت ربك فقال عليه الصلاة والسلام إنه نور أنى أراه ، وفي رواية رأيت نورا » .
والذين قالوا إن الإسراء كان بالروح وفي رؤيا صادقة قالوا ذلك في المعراج ، بل هو أولى ، فالرحلة كلها كانت رؤيا صادقة ، وقد بينا القول في أدلة هذا الرأي بالنسبة للإسراء من قول .
وقد انضم إليهم غيرهم ممن يرون أن الإسراء كان بالجسد والروح ، فمنهم من قال إن المعراج كان بالروح وليس في الموضوع نص قرآني يدل بظاهره على أنه كان بالجسد والروح ، حتى لا يكون مناص من اتباعه أو تأويله ، بل نجد الألفاظ تقبل أن يكون المعراج بالروح ، وبالظاهر المتبادر ، لا بالتأويل المنتزع انتزاعا .
ولننظر في الآيات الكريمات الدالة على المعراج :
دلالة آية الإسراء على المعراج بالإشارة لا بالعبارة ، وذلك في قوله تعالى :لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنافتلك الآيات التي أراها اللّه عبده هي المعراج ، وإمامة الأنبياء السابقين .
والآيات الأخرى التي دلت على المعراج ، كانت ألفاظها لا تدل على المعراج إلا بالإشارات البيانية ، ولننظر فيها عبارة عبارة ، وكلها من السمو البياني في المكان الأعزل الذي لا يصل إليه بيان قط .عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ( 5 ) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى( 6 ) [ النجم ] ، فقد قالوا إنه جبريل عليه السلام ، وإذا كان اللّه تعالى ، فتعليمه ل يكون بالتلقين بل يكون بالإرشاد والإيحاء .
وقوله تعالى :وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى( 7 ) [ النجم ] ، يراد جبريل عليه السلام ،ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى( 8 ) [ النجم ] ، أي نزل وقرب من النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ،فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى( 10 ) [ النجم ] عن طريق جبريل ،وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى( 13 ) [ النجم ] ، وهو جبريل أيضا ، وقوله تعالى :ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى( 11 ) [ النجم ] تومئ إلى أن الآيات الكبرى التي رآها كانت بفؤاده لا ببصره ، وقوله تعالى :ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى( 17 ) [ النجم ] ، أي ما كل وما تجاوز حده ، والنفي فيه ما قد يكون لأنه لم تكن رؤية بالبصر ، حتى يكل المبصر أو يتجاوز حده ، وقد يكون لبيان أن البصر لم يتجاوز حده ليطغى ، ويحاول أن يرى ما لا يمكن أن يراه ، ويزيغ بأن يكل ويمل ، ويلقى في النفس ما لم ير .
وإننا عند هذا النظر الفاحص ننتهى إلى أن الإسراء إذا كان بالجسد والروح ، فإن المعراج كان بالروح فقط ، وأنه كان رؤيا صادقة ، وقد اتجهنا إلى ترجيح ذلك لما يأتي :
( أ ) أنه ذكر في المعراج أنه التقى بالأنبياء آدم وإبراهيم وموسى ويحيى ، وغيرهم ، والباقي منهم هو أرواحهم ، وأجسامهم سيبعثها اللّه تعالى يوم البعث والنشور ، وفرض أنه بعثها ثم أفناها فرض بعيد لم يذكر في حديث من الأحاديث ، ولا خبر من الأخبار ، ولو ضعيفا ، وكل فرض في أمر غيبى لا دليل عليه من المنقول فهو رد على قائله إلا أن يكون أمرا يؤدى إليه البرهان العقلي ، ولا يوجد شئ لا من المنقول ولا المعقول يقرر إعادة أجسام الأنبياء الكرام أحياء ، ثم إعادتها إلى الفناء . -