تنفير ، فهو يبين لهم الحق في غير مخاشنة وإن خاشنوه ، وفي غير غضب وإن غاضبوه ، فالنبي لا يغضب ولكن يهدى فلا يفجؤهم بما لا يحبون ، بل يأتيهم بالحق مما يحبون ما دام لم يكن باطلا ، ولا يكون جافيا في قول أو خلق ، ولا يكون غليظا بادي الغلظة ، بل يكون ودودا بادي المودة ، من غير أن يكون مداهنا في حق ، فإن المشركين يودون أن يكون مداهنا في الحق كما قال تعالى :
وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
( 9 ) [ القلم ] .
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
.
أمر اللّه نبيه بأن يبذل غاية الجهد في الدعوة من غير مغاضبة بل بالمودة والملاينة والرفق في القول والعمل ، والمجادلة من غير مشاحنة ولا مخاصمة ، بحيث يكونون في جانب ، وهو في جانب ، ولا يظن أنه بذلك يتأكد إيمانهم فإن منهم من يضل ، ومنهم المهتدى ، وعليه التبليغ ، وليس عليه الهداية ؛ ولذا قال :
. . . فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ . . .
( 40 ) [ الرعد ] ، وقال في هذه الآية :
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
هذا النص السامي كأنه جواب عن استفهام مقدر في القول : أبعد الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل بالتي هي أحسن يكون الإيمان لا محالة ؟ ، فأجاب سبحانه : فيهم من كتب عليه الضلال وفيهم المهتدى .
إِنَّ رَبَّكَ
الذي يعلم كل شئ لأنه رب الإنسان والوجود
أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
، أي بمن سلك سبيل الضلالة وأوغل فضل
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
.
ونقول : إن أفعل التفضيل ليس على بابه ؛ لأنه لا مفاضلة بين علم اللّه وعلم أحد ، وإنما الذي يقصد من أفعل التفضيل أن علمه بلغ أقصى درجات العلم فلا علم فوق علمه سبحانه .
ويلاحظ أنه يعبر عن الضالين بالفعل ،
ضَلَّ
، وعن الذين هداهم اللّه تعالى
بِالْمُهْتَدِينَ
؛ للإشارة إلى أن الضلال مخالف للفطرة حادث عارض لها ،