تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4304

مساهمون:

ص٤٣٠٤
الدعوة ، وتجردت قريش مناوئة بكل مما أوتيت من قوة آذت الضعفاء وفتنتهم عن دينهم وهاجر إلى الحبشة من هاجر فرارا بدينه وحماية ليقينه ، فهل يضعف ذلك من ندائه بقوة الحق والإيمان ، وهل يخرجه ذلك عن حد الحكمة ، بل إنه يستمر هاديا مرشدا ؛ ولذا جاء أمر اللّه بأن يستمر في دعوته بالحكمة والموعظة ولا يخرجه ما يفعلون إلى غير الحكمة ، فقال تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
ادع مبلغا رسالة ربك ومتبعا سبله وهدايته إلى سبيل ربك ، وسبيل اللّه هو الصراط المستقيم وهو التوحيد وشريعته التي لا عوج فيها ولا أمت بل وهو سبيل الحق الهادي المرشد بالحكمة والموعظة ، والحكمة هي القول المحكم الذي يشتمل على الدليل الهادي والبرهان القاطع ، والموعظة هي بيان العبر ، وضرب الأمثال بما وقع للماضين ، وهي المثلات التي وقعت للناس ، والموعظة تشمل هذا وتشمل بيان منافعهم في إجابة دعوة اللّه ، والمضار التي تنزل بهم إن أعرضوا وضلوا عن سواء السبيل . وبيان الفرق بين الحكمة والموعظة أن الحكمة ذكر الأدلة على التوحيد التي لا يفهمها إلا الراشدون الذين يدركون الدليل ومقدماته ، والموعظة ذكر عواقب الضلال من الحوادث الماضية التي وقعت بالضالين المضلين ، والقرآن الكريم قد اشتمل على الحكمة والموعظة ، ففيه بيان آيات اللّه في الكون من خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم المسخرات بأمره وإنزال الماء وإنبات النبات وفلق الحب والنوى ، فهذا كله من الحكمة ، وفيه قصص الأمم السابقة وما نزل بالعصاة من خسف وزلزال وريح صرصر عاتية ، وهذا من الموعظة الحسنة ؛ ولذا قال بعض المفسرين
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
القرآن لأنه يشتمل عليها ، ووصفت الموعظة بالحسنة لسهولة قبولها ، أو يتخير الرسول أسهلها على النفس ، وأحسنها توصيلا للحق اللّه الهادي إلى سبيل الرشاد . أمره سبحانه أن يدعوهم بالحكمة والموعظة وأن يجادلهم بالتي هي أحسن فقال تعالى :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
، أي بالطريقة التي هي أحسن في التوصيل إلى الإقناع ، فإن لم يكن إقناع فتقريب ، فإن لم يكن تقريب لا يكن
زهرة التفاسير — صفحة 4304 | محمد أبو زهرة