تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4285

مساهمون:

ص٤٢٨٥
وهذه القرية وصفها اللّه تعالى بأنها كانت آمنة كما كانت مكة ، فقد كان فيها حرم آمن يتخطف الناس من حوله وكان يأتيها رزقها رغدا واسعا كثيرا إذ كان يجبى إليها من الثمرات استجابة لدعوة إبراهيم عليه السّلام ، وإذ قال سبحانه :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
( 37 ) [ إبراهيم ] . وقال تعالى في هذه القرية :
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
، ( الفاء ) للترتيب والتعقيب ، أي أنها بدل أن تشكر نعمة اللّه إذ منحها الأمن والعيش الرغد الهنىء ، وهذا أقصى ما يطلب لمثل هذه القرية ، بدل هذا كفرت ، أي رتبت على النعمة الكفر بها ، وهذا عكس ما يترقب ، ويتوقع منها . فكان هذا فيه معنى التوبيخ أو التهكم بأمرها ، والأنعم جمع نعمة ، أو جمع نعمى ، والمعنى النعم العالية التي بلغت أقصاها . وقوله تعالى :
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
، في الكلام استعارتان : الاستعارة الأولى : - أنه شبه الجوع والخوف باللباس السابغ الذي يغشى الداخل والخارج ، وذلك بجامع اشتماله على الجسد والنفس ، وكل الجوارح ، فإن اللباس يغشى الجسم كله ، والخوف والجوع يغشيان الجسم كله ، فالخوف يغشى الجسم بالاضطراب والهلع والجزع ، والجوع يغشاه بالضعف والحاجة ، وهي كالعرى ، أو كالثوب الذي لا يستر . والاستعارة الثانية - هي تشبيه الجوع والخوف بالشئ الذي يذاق جريا على ما يجرى على الألسنة من قول فلان ذاق مرارة الجوع ، وقد قال في ذلك إمام البلاغة الزمخشري : « أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة في البلايا والشدائد ، وما يمس الناس منها ، فيقولون : ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه العذاب شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر .
زهرة التفاسير — صفحة 4285 | محمد أبو زهرة