تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4282

مساهمون:

ص٤٢٨٢
و
إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا
، فيها معنى الحماية الكاملة ، والاعتماد على ركن لا خلل فيه فقط ، كما يقول القائل للسارقين ما سرقوا ، ولذي المال ما ملكوا ، ولكل إنسان ما يملك من مال ونسب ، وأما المؤمنون الصادقون في إيمانهم فلهم الجنة ، فمعنى هذه الجملة السابقة أن قوتهم وحمايتهم من اللّه فقط ؛ ولذا قدم قوله تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ
على الجار والمجرور ، لبيان مكانة ناصرهم ، وأنه فوق النصراء جميعا ، فإذا كان الأقوياء قد آذوهم ، وأعنتوهم ، وحرموا الهناءة ، إلا أن تكون قلوبهم عامرة بذكر اللّه وقوله :
لِلَّذِينَ
ب ( اللام ) للاختصاص ، أي أنهم مختصون به دون غيرهم . وقال تعالى :
مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا
الفتن يكون للمعدن ليخرج ما خالطه من مواد مغايرة لجوهره ، وفتن المؤمل تمحيصه ، وأن تذهب كل ما عساه يعلق به من أدران الدنيا ، والهجرة الواضحة هنا أنها هجرة الأولين إلى الحبشة ، ويصح أن يراد الهجرة إلى الحبشة والمدينة وإذا كانت ال سورة مكية ، فهي تنبئنا بالهجرة إلى المدينة التي كانت أول الجهاد ومن كان الجهاد ، وقوله تعالى بعد ذلك :
ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا
إخبار أنه سيكون جهاد بحمل السيف ، والغزوات المباركة ، والسرايا التي كان يبعثها النبي صلى اللّه عليه وسلم للجهاد والدعوة وإن عطف وصبروا على الجهاد مع أن الجهاد عدته الصبر أولا ، وإعداد الأدوات بالمحل الثاني ، إن هذا العطف يفيد أن المؤمن يختبر بأمرين الصبر ، وهو مختبر به دائما ، وقد كان قوة المؤمنين وهم بمكة ، وثاني الأمرين الجهاد في سبيل اللّه بحمل السيف مدافعا ، محاربا ، وهذا يحتاج الصبر ، كما قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
( 200 ) [ آل عمران ] . وبعد أن ذكر سبحانه وتعالى أنه للمؤمنين ، في مقابل أن الذين كفروا بعد إيمانهم للشيطان ذكر سبحانه أخص صفات الذات العلية وهو أنه غفور رحيم ، فقال :
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
الضمير في
بَعْدِها
يعود إلى الهجرة ، ذلك لأن الهجرة بعد صقل النفوس بالفتنة تتجه إلى اللّه ، وقد سترت كل ذنوبها ،