تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4259

مساهمون:

ص٤٢٥٩
الأرض كثيرة المال وأخرى ضعيفة فإن صبرت القوية الرابية واستمسكت بالوفاء زادها اللّه تعالى ، وإن غلب عليها هواها ، فاستهانت بالعهد لاستهانتها بمن عقدته معها ، فإن مآلها الضعف والخذلان ، واللّه عليم بما يفعلون ، هذا عقاب الدنيا ، أما عقاب الآخرة ، فقد ذكره سبحانه وتعالى بقوله :
وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
، وبيان اللّه تعالى يوم القيامة يكون مقترنا بجزائه ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، وقد أكد سبحانه وتعالى بيان ذلك الجزاء لهم أولا بلام القسم ، وثانيا بنون التوكيد الثقيلة وبالقسم ، وما كانوا يختلفون فيه هو الشرك والإيمان ثم الوفاء والنقض ثم احترام الإنسانية والاستهانة بها ، فكل ذلك جزاؤه يوم القيامة ، ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ولا الإيمان والكفر ، ولا الوفاء بالعهد ونقضه . وإن ذلك الاختلاف بين الحق والباطل هو إرادته سبحانه ليبلوكم أيكم أحسن عملا ؛ ولذا قال سبحانه :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 93 ) . والمعنى لو أراد ذلك سبحانه ولعلقت مشيئته بأن أمة واحدة آخذة بالحق مهدية لجعلكم كذلك ، ولكن خلقكم سبحانه ، ولكم إرادات مختارة تسلك الحق أو الضلال ، ويختبر أهل الباطل بأن يعطيهم قوة يهتدون بها ، أو يضلون ، ومعنى أمة واحدة أمة مهدية أو أمة شقية ، وتكونون حينئذ على سواء في الهداية أو الشقاء ، ولكن كانت لكم هذه الإرادات التي بها تضلون إن سرتم في طريق الضلال ، وتهتدون إن سرتم في طريق الهداية . ولكن إرادة اللّه تعالى اتجهت إلى ذلك الاختلاف لتكون الحياة ولتكون المعاقبة بين الخير والشر ، ويتنازع أهل الشر مع أهل الخير وليكون الخير بعمل أصحابه ، والشر بعمل أصحابه ، ويكون الضلال وتكون الهداية ؛ ولذا قال :
وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
إضلال اللّه هو كتابة العبد في أهل الضلال وهداية اللّه كتابته في أهل الهدى ، وذلك لأن العبد له إرادة يشعر بها ،