تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4256

مساهمون:

ص٤٢٥٦
يكون آمنا من جانب من عاهدهم ، وينصرف لتنمية ثروته ، وتمكين قوته ، والانفراد بأعدائه الذين لم يعاهدوه ، وانظر إلى عهد الحديبية الذي عقده النبي صلى اللّه عليه وسلم مع المشركين ، فإنه انصرف في المدة التي كان فيها عهد الدعوة إلى الإسلام ، حتى كان من دخلوا في الإسلام بعد العهد أضعاف من دخلوا من قبله بل أضعاف أضعاف وانفرد صلى اللّه عليه وسلم لليهود ، فغزاهم في خيبر ، وخرج للرومان في خيبر . والعهد ليس أبديا بل ينقض إن كانت خيانة ، أو مظنة خيانة كما قال تعالى :
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ . . .
( 58 ) [ الأنفال ] . وإن العهد لا يكون بين دولة الإسلام وغيرها من الدول فقط ، بل يكون في داخل الدولة الإسلامية كالإخاء الذي كان بين المهاجرين والأنصار والمهاجرين بعضهم مع بعض والأنصار بعضهم مع بعض . وقد أكد سبحانه الأمر بالوفاء بالنهى عن النقض معللا النهى ، فقال تعالت كلماته :
وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا
. أي لا تنقضوا العهود لأنها نقض للأيمان بعد توكيدها ، والتوكيد هو التأكيد ، وهما لغتان جائزتان وتوكيد الأيمان معناها أن تكون باسم اللّه ، وبأن تكون أمام شهود وفي مجالس تقرها وتؤيدها ، والكفيل هنا هو الرقيب الضامن ، فمن عاهد بيمين اللّه ، فقد جعل اللّه تعالى كفيلا له ضامنا لقوله فعليه أن يحترم ، وكفيلا - هنا تتضمنه معنى الرقابة ؛ لأن الكفيل يراقب المكفول ، حتى يؤدى ما التزم أداءه . وقد بين سبحانه مضار النقض ، وأشار إلى ذلك فقال :
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ
، أي عليم بما فعلتم وقد عقد العهد ، ووثقتموه بيمين اللّه تعالى ، وعليم بفعلكم إذا أردتم النقض ، وقد أكد سبحانه وتعالى علمه الأزلي بالجملة الاسمية ، وبأن ، وبلفظ الجلالة ، وبتقديم الجار والمجرور على الوصف ؛ لأنه يفيد مزيد العناية بأفعالكم وشدة رقابته عليها .