تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4260

مساهمون:

ص٤٢٦٠
وأنه ليس بمجبر فيها ، وأنه يختار إما الضلالة ليشقى وإما الهداية فيسعد ، وما يعمله مكتوب في اللوح المحفوظ ، فهو في هذا اللوح ، إما شقى وإما سعيد ، وقد غيب عنه المكتوب ليفعل ما يفعل حرا مختارا ، هذا أمر شعوري بدهى ، لا يحتاج إلى فلسفة أهل الجبر ولا أهل الاختيار . والاستدراك في قوله تعالى :
وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ . . .
إنما هو عن خلقهم أمة واحدة بل هو للتفرقة بين الضلال والهدى فيما يكتبه اللّه تعالى ، ويقدره ، ولقد قال سبحانه بعد ذلك
وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
، أي أن أعمالكم باختياركم وبقوتكم الذاتية وتسألون عنها : أهي خير فتثابوا أم هي شر فتعذبوا ، وكل أعمالكم مكتوبة عليكم وبكتابتها يضلكم أو يهديكم . وبعد أن بين سبحانه أن كون أمة أربى من أمة هو بمشيئة اللّه وإرادته مع بقاء الاختيار للعباد أكد سبحانه وتعالى النهى عن نقض الوفاء بالعهد فقال :
وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
( 94 ) . كان النهى عن اتخاذ الأيمان دخلا أي غشا وخديعة في العهود ؛ لأن الكلام كان في العهود ونقضها ، إذ ابتدأ القول :
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ
أما النهى في هذه الآية عن اتخاذ الأيمان دخلا ، فهو نهى عن الحلف الكاذب خديعة وغشا ومكيدة بعهد كان يعتزم فعل أمر أو يظهر اعتزامه ويوثقه بيمين ، ولا يتجه إلى المعاهدة عليه ، فإن ذلك منهى عنه ، أو يؤكد كلامه عن أمر سابق باليمين وهو كاذب في يمينه ، فإن اليمين في هذه الحال غش وخديعة ويكون ممن لا يطاع ولا يستمع إليه إذ يقول اللّه تعالى :
وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ( 10 ) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ
( 11 ) [ القلم ] . وعلى ذلك يكون النهى عن اتخاذ الأيمان للغش والخديعة يشمل العهود والبيعات ويشمل توثيق يمين منعقدة لا ينوى التنفيذ فيها ، أو يمين غموس هو فيها كاذب ، كشهادات الزور ، ونحوها مما تتخذ اليمين للغش والخديعة ، وضياع الحقوق والدعاء الباطل وتأكيده بهذه الأيمان .