تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4163

مساهمون:

ص٤١٦٣
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ
هم الكافرون ، فهذه الجملة عطف بيان أو بدل مما قبلها ، وهذا يتضمن حالهم عند الوفاة ، ووصفهم الأصلي الذي أرداهم في الجحيم ، وهو أنهم ظالمون لأنفسهم ، وذلك الظلم بشركهم ، فالشرك في ذاته ظلم ، وهو ظلم للنفس ؛ لأنه انحراف فيها ، وعوج في تكوينها يشبه عوج الأعضاء بعد استقامتها ، وهو ظلم للعقل والفكر إذ يحطه من عبادة اللّه إلى عبادة الأحجار ، وهو يؤدى إلى ظلم الأبرار ، والظلم يعود على الظالم ، فمرتعه ونهايته عليه ، فكأنه في الابتداء انتهى إليها . وقوله تعالى :
فَأَلْقَوُا السَّلَمَ
وهو الاستسلام والخضوع والإخبات بعد أن عتوا واستكبروا ، والفاء للتعقيب ، أي أنهم بعد أن توفتهم الملائكة فورا ألقوا السلم والخضوع ، وانتقلوا من كبرياء ظلمة إلى ضعة صاغرة مستكينة ، وعبّر ب ( ألقوا ) والإلقاء لا يكون إلا للأجسام للإشارة إلى أنهم انحطوا كما تنحط الأجسام من أعلى إلى أسفل ، ونسوا ما كانوا يعملون ، وقالوا :
ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ
، و ( من ) لاستغراق النفي ، أي ما كنا نعمل أي سوء ، ونسوا أنفسهم ونسوا أعمالهم لقد زال كبرهم وغطرستهم ، فزالت شخصيتهم الظالمة ، وحسبوا أنهم لم يفعلوا سوءا .
بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
بلى تدل على الإضراب عن قولهم ، والقائل هم الملائكة أو أهل العلم الذين أوتوه من النبيين أو أتباعهم ، وعندي أن القائل هو اللّه تعالى ، لأنه لم ينسب القول إلى غيره ، وهو القائل المتولى أمرهم ابتداء وانتهاء . وقد أكد اللّه تعالى علمه بالوصف وبأن وبالجملة الاسمية وقوله تعالى :
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( ما ) فيه موصولة بمعنى الذي ، أي بالذي كنتم تعملونه ، وهو استحضار لهذا العمل كأنه حاضر مهيأ يرى ، وقوله تعالى :
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
، أي عملكم الذي استمررتم عليه ، ولم تفارقوه حتى تستبين به خطاياكم .
زهرة التفاسير — صفحة 4163 | محمد أبو زهرة