تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4045

مساهمون:

ص٤٠٤٥
وإن ذلك يتقاضى أن يكون ذلك من العابد بقلب سليم مخلص طاهر ، لا يقصد بها غير وجه اللّه الكريم ، لا يرائى به ، ولا ينقض بعضها ببعض ، بل يتجه بكل نفسه لربه لا يكون فيها موطن لغيره سبحانه . وإن إبراهيم عليه السّلام يمثل في شخصه النبوي ، الرجل الفطري المستقيم النفس في كل اتجاهاتها ، وقد رأينا من فطرته أنه فكر في ذريته كما فكر في نفسه ، والفطرة السليمة تجعله يذكر عند الخير أبويه كما ذكر ذريته ؛ ولذا عندما اتجه إلى ربه طالبا مغفرته ذكر أبويه فقال تعالى على لسانه :
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ
( 41 ) . كان إبراهيم عليه السّلام متجها دائما إلى مقام الربوبية فنادى ربه بالربوبية ، وقد ذكرناها في ذلك من ضراعة المؤمن المقدر لنعمة الإيجاد ، والربوبية ، والقيام على شؤونه ، وأنه الحي القيوم القائم على ما أنشأ من خلق ، وهو اللطيف الخبير ، ودعاه بالمغفرة ، وابتدأ بنفسه أولا ، ثم ثنى بوالديه ، وثلث بالمؤمنين الذين يؤمنون باللّه واليوم الآخر ، سواء أكانوا من ذريته أم كانوا من غيرهم ، فهو دعاء لعامة المؤمنين ، وإبراهيم عليه السّلام كانت أدعيته العامة جماعية ؛ لأنه نادى بالأخوة الإنسانية . وطلب الغفران وستر الذنوب ، ومحو السيئات ، وقيام الحسنات ، يوم يقوم الحساب ، وهو يوم القيامة حيث يكون الحساب بأن يقوم كل إنسان ما قدم من خير ، وقد كتب ما ارتكب من خير وشر ، فهو يطلب من اللّه في هذا اليوم عفوه وتغليب مغفرته على عذابه ، وذلك بالنسبة للمؤمنين ، وبالنسبة لوالديه . وهنا يسأل سائل كيف يستغفر إبراهيم لأبويه ، وأبوه بلا ريب كان مشركا يعبد الأوثان ؟ ويقال : إنه كان يصنعها ؟ ونقول في هذا : إن إبراهيم كان رجل الفطرة المستقيمة ، ففطرته الإنسانية المستقيمة دفعته لأن يكبر عليه أن يهتدى وأبوه مشرك ، وأن يعبد اللّه وأبوه يعبد الشيطان ، وأن يكون في الجنة وأبوه في النار ، وقد بدا ذلك في مجاوبته ، إذ قال لأبيه :
. . . يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ
زهرة التفاسير — صفحة 4045 | محمد أبو زهرة