تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 2889

مساهمون:

ص٢٨٨٩
مبينة من ربكم دالة على رسالته ، هذه البينة هي : ناقة لكم آية ، أي دليل على الرسالة ، ويظهر أنها كانت لها أوصاف خاصة تميزها عن غيرها ، قال بعض الناس : إن اللّه تعالى خلقها من حجر صلد ، ولكن لم يثبت ذلك بسند صحيح عمن بين القرآن للناس ، ولم يرد بسند صحيح شئ عن أوصاف هذه الناقة ، ولكنها على أي حال كانت مميزة عندهم معروفة بشخصها لديهم ، ولذا قال لهم :
فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
، أي : فاتركوها تأكل . وأردف نبي اللّه صالح - عليه السلام - يبين لهم العبرة من أسلافهم عاد ، ونبيهم هود - عليه السلام - قال لهم :
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً
أي اذكروا أنه جعلكم خلفاء لهؤلاء الذين كانوا أقوياء وطغوا ، ورأيتم ما آل إليه أمرهم ، من العذاب الذي نزل بهم جزاء عصيانهم ، وسكنتم في مساكنهم الذين ظلموا فيها أنفسهم ، وقد بوأكم في الأرض وثبتكم ، وجعلكم مستمتعين مترفهين ، فجعلتم من سهل الأرض قصورا بنيتموها ، ونحتم الجبال فجعلتم منها بيوتا ، وذلك أعلى درجات الترفة في المسكن قصور في السهول ، وبيوت في أكناف الجبل ، فكانت لكم الوقاية من البرد والحرور . وإذا كنتم تمكنتم من ذلك ، فاذكروا آلاء اللّه تعالى ونعمه ، وقوموا بحق شكرها ،
وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
لا تطغوا وتظلموا ، فيؤدى ذلك إلى فساد ، ولذا قال :
وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
، العثى والعثو ، لغتان في مصدر عثى ، وهو الفساد ، والمعنى لا تفسدوا في الأرض ويستمر فسادكم حتى تكونوا مفسدين ، وقوله مفسدين حال دالة على استمرار الفساد ، هذا قول صالح - عليه السلام - وهو كلام يتضمن الدعوة الرفيقة الحكيمة إلى عبادة اللّه تعالى وحده ، والتذكير بنعمه تعالى عليهم ، وتحذيرهم من الإفساد ، والاستمرار عليه بالإشراك والظلم وترك أمورهم فوضى ، لا ضابط من دين ولا خلق .
زهرة التفاسير — صفحة 2889 | محمد أبو زهرة