ما ينفقون في الدنيا رجاء أن تتم الخديعة التي أرادوها ، وعبر سبحانه وتعالى هنا بقوله تعالى :
أَنْ تُقْبَلَ
، وفي الآية السابقة بقوله تعالى :
أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ
بصيغة يتقبل ، وذلك لأنهم كانوا يظنون أن أي إنفاق يقدمونه يتقبل برغبة من النبي وأصحابه ، فإن صيغة التقبل تدل على القبول برغبة كما قال تعالى في نذر مريم :
فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ . . .
( 37 ) [ آل عمران ] .
وفي هذه الآية : ( تقبل ) من أصل القبول ، وسبب الرد أصل القبول ، ولو كان المنع من التقبل ، لكان أصل القبول غير ممنوع .
و « أن تقبل » الضمير المنسبك من ( أن وما بعدها ) في موضع المجرور ب ( من ) لأن حروف الجر تحذف كثيرا قبل أن وفعلها ، كما في قوله تعالى :
. . . ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ . . .
( 12 ) [ الأعراف ] .
وقد ذكر الشوكاني في تفسيره فتح القدير : أن الآية الكريمة تشير إلى أن الأسباب ثلاثة فقال : « جعل المانع من القبول ثلاثة أمور ، الأول : الكفر ، والثاني :
أنهم لا يصلّون في حال من الأحوال إلا في حال الكسل والتثاقل ، والثالث : أنهم لا ينفقون أموالهم إلا وهم كارهون ؛ لأنهم يعدون إنفاقها وضعا لها في مضيعة لعدم إيمانهم بما وعد اللّه ورسوله .
وقد ذكر الأمر الأول فقال سبحانه وتعالى :
أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ
الضمير المنسبك من أن وما بعدها في محل رفع فاعل للفعل ( منع ) في قوله تعالى :
وَما مَنَعَهُمْ
فكفرهم باللّه لأنهم تمردوا على أوامره ونواهيه ، وجحدوا بآياته ، وكفرهم برسوله لأنهم جحدوا رسالته ، واليهود منهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، وقد جاء بالكتاب من عند اللّه وعجز العرب عن أن يأتوا بمثله بعد أن تحداهم فما استطاعوا ، وكرر الباء ، فقال :
بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ
، للإشارة إلى أن الكفر باللّه كفر ، والكفر بالرسول كفر ، أيضا .
وفي الأمر الثاني قال تعالى :
وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى
أي لا يقومون عند النداء إلى الصلاة إلا وحالهم حال الكسالى متثاقلون كأنهم غير