تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3305

مساهمون:

ص٣٣٠٥
والقتال هنا قد تجاوز الجزيرة العربية إلى ما حولها من الشام ، وتجاوز الوثنية إلى أهل الكتاب الذين يعبدون غير اللّه تعالى وذلك في غزوة تبوك ، فقد كانت في شدة القيظ ، وكانت بعد أن ملأت الغنائم الجيوب ، وبعد أن أخذ الترفه يغزو النفس المؤمنة ، وهو آفة القوة . أخذ يدعوهم صلى اللّه عليه وسلم إلى الجهاد ، فكان منهم من أقعدته الدعة ، والاستنامة إلى الراحة ، فلم يكونوا كما كانوا من قبل إذا دعوا إلى الجهاد سارعوا إليه ، ولذا عاتبهم اللّه تعالى فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ
صدّر النداء بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
للإشارة إلى أن موجب الإيمان كان يدعو إلى المبادرة ، لا إلى التثاقل ، وقوله :
ما لَكُمْ
استفهام إنكاري بمعنى التوبيخ ، معناه أي شئ ثبت لكم فمنعكم من المبادرة إذا دعيتم ، ثم صرح سبحانه بما تضمنه الاستفهام ، وهو
اثَّاقَلْتُمْ
أصلها تثاقلتم ، وفي قراءة الأعمش ( تثاقلتم ) على أصل الاشتقاق « 1 » ، وموضع الاستنكار هو التثاقل عندما
قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا
، و
إِذا
متعلقة في الفعل المقدّر في قوله تعالى :
ما لَكُمْ
والمعنى أي شئ أثبت لكم حال ما قيل انفروا اثاقلتم و
انْفِرُوا
معناه انتقلوا إلى الحرب ، والجهاد في سبيل اللّه ، فالنفير معناه الخروج إلى القتال . وقوله تعالى :
اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ
معناه تثاقلتم ، وثقلت عليكم المبادرة إلى القتال مخلدين بأنفسكم إلى الأرض حيث الدعة والراحة ، والاستظلال بظلها ، والسكون ، ويتضمن هذا المعنى أنهم رضوا بالتقاعد في الأرض وترك الرفعة والمقام المحمود في الجهاد ، كقوله تعالى :
وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ . . .
( 176 ) [ الأعراف ] . والمعنى أنهم إذ تثاقلوا عن الجهاد رضوا البقاء في الأرض ، فحقت عليهم الذلة .
هامش
( 1 ) ( تثاقلتم ) ، ليست في العشر المتواترة .
زهرة التفاسير — صفحة 3305 | محمد أبو زهرة