تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3302

مساهمون:

ص٣٣٠٢
ختم اللّه تعالى الآية السابقة بقوله تعالى :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
لإشعار المؤمنين بأنه من التقوى إطاعة اللّه في تحريم القتال في الأشهر الحرم حقنا للدماء ، وأن اللّه تعالى لا يصاحب ولا ينصر إلا المتقين ، وأكد ذلك بالأمر بالعلم ، كما أكده بالصحبة السامية للّه تعالى ، وبالجملة الاسمية . ولذلك ذكر من بعد ذلك الاعتداء على الأشهر الحرم بالنسىء ، والنسىء معناه التأخير والتأجيل ، يقال : ( نسأ ) بمعنى أخّر وأجل ، ومنه قوله صلى اللّه تعالى عليه وسلم « من أراد منكم أن يبارك له في رزقه ، وينسأ له في أجله فليصل رحمه » « 1 » . وكانت طريقة النسىء أن يجئ إلى المحرم وهو من الشهر الحرام فيستبيح القتال فيه ، ويؤجل التحريم إلى صفر ، فيستبدل بالشهر الحرام شهرا حلالا ، ولأنه يريد الغارة ، وقالوا : إنما كانوا يفعلون ذلك رغبة في الغارات ، وطمعا في الأموال من النعم ، ويذكر ابن إسحاق في سيرته أن أول من فعل ذلك رجل من كنانة اسمه « القلمّس » . ولقد ذم اللّه النسىء أشد الذم فقال تعالى :
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
أي ليس النسىء إلا زيادة في الكفر ، ف ( إنما ) أداة قصر ، فهو ليس إلا زيادة فيه ؛ كفروا بملة إبراهيم عليه السلام فعبدوا الأوثان وطافوا بالبيت عراة ، وكان شرع إبراهيم تحريم القتال في أربعة أشهر معينة بالتعيين ، فغيروا فيها بالنسىء ، فزادوا بذلك كفرا إلى كفرهم . وقال تعالى :
يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي أن شهواتهم في الغارات والقتل والقتال وتحكّم الشيطان في نفوسهم يضلهم ، ويلاحظ أنه بنى للمجهول للدلالة على أن عوامل الضلال كثيرة رأسها شهواتهم في الحرب ، وسيطرة الشيطان على نفوسهم ، والعداوة والبغضاء بينهم ، وكان هذا لأنهم أصحاب غارات وحروب
هامش
( 1 ) متفق عليه ؛ رواه البخاري : الأدب - من بسط له في الرزق بصلة الرحم ( 5986 ) ، ومسلم : البر والصلة ( 2557 ) .