لأنها بها المواجهة ، وبها تتميز الأشخاص ؛ ولأنهم يطلبون بكنز المال الوجاهة في الدنيا ، والشأن فيها ، ولأنهم بالكنز يصونون ماء وجوههم ، كما قال الزمخشري « أن يكون ماء وجوههم مصونا عندهم يتلقون بالجميل ، ويحيون بالإكرام ، ويبجلون ويحتشمون ، ومن أكل الطيبات يتضلعون منها ، وينفخون جنوبهم ، ومن لبس ناعمة من الثياب ، يطرحونها على ظهورهم ، كما ترى أغنياء زمانك هذه أغراضهم وطلباتهم من أموالهم لا يخطرون ببالهم قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « ذهب أهل الدثور بالأجور » . وقيل لأنهم كانوا إذا بصروا الفقير عبسوا وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا عنه ، وتولوا بأركانهم ، وولوه ظهورهم ، وقيل : معناه يكون على الجهات الأربع مقاديمهم ، ومآخيرهم وجنوبهم » اه .
هذه مقالة الزمخشري ، ونرى الأقوال التي ذكرها كلها صادقة ، فهم ينتفعون بالأموال مفاخرين بها مباهين مستعلين يملئون بطونهم منها ، ويلبسون الدمقس والحرير ، ويعبسون للفقراء ، ويهشون للأغنياء ، ويوم القيامة تحيط بهم النار من الجهات الأربع ، بحيث لا ينفلتون عنها ، ويكوون بها في كل أجزاء جسمهم ، ولا يجدون للفرار منها سبيلا .
هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ
هذه النار الموقدة من تنوّركم هي ما كنزتموه أي عاقبته ومآله ، أو ذاته ، فذوقوا ما كنتم تكنزون ، أي وبال ما كنتم تكنزونه ، أو ذوقوه موقدا للنار .
هذا خبر اللّه تعالى عن الكنوز وأصحابها يوم القيامة ، وما يتعلق باليوم الآخر نقبله كما هو ، ويصح أن نقول إنه تصوير لحالهم تسببه عاقبة أمرهم بمن يكوون بذهبهم وفضتهم ، واللّه عليم خبير .
قد ابتدأ في سورة براءة بذكر الأشهر الحرم ومنع القتال فيها ثم تكلمت على عهود المشركين وعمارة المسجد الحرام ، وعلى منع المشركين من المسجد الحرام وبيان شرك أهل الكتاب ، وعبث الأحبار والرهبان بمداركهم .