تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3274

مساهمون:

ص٣٢٧٤
وإن رفعة المساجد في الآية الكريمة تومئ إلى ألا يدخلها من يشرك باللّه أحجارا أو أشخاصا ، أوصافهم تتنافى مع أوصاف الذين يسبحون فيها بالغدو والآصال . ولقد كان حجيج المشركين من شتى البلاد العربية يوجدون رواجا ماديا بين أهل مكة ، كما قال تعالى عن إبراهيم :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ . . .
( 37 ) [ إبراهيم ] . فإذا منع المشركون حرم سكان مكة ، وهم المسلمون بعد الفتح من ذلك الوفد الذي يجئ إليه ، ولذا قال تعالى :
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ
العيلة : الفقر إذا حرموا من أرفاق المشركين ومتاجرهم ، وقد قدر اللّه خوفهم من الفقراء ، أو قلة المال إذا منع المشركون من الحج وقصد بيت اللّه الحرام فقال :
وَإِنْ خِفْتُمْ
وعبر للدلالة على أن تقدير الخوف مشكوك فيه منهم ؛ لأن الإيمان يجعلهم يطمئنون ولا يخافون ، ومع ذلك طمأنهم اللّه تعالى فأكد أنه سيغنيهم اللّه من فضله إن شاء ، ونشير هنا إلى أمرين : أولهما - أن قوله تعالى :
فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
( الفاء ) فيها في جواب الشرط ، و ( سوف ) لتأكيد وقوع الإغناء إن شاء اللّه تعالى في المستقبل ، فالسين وسوف لتأكيد الوقوع في المستقبل . ثانيهما - التعبير بقوله تعالى :
مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ
فذكر الفضل منسوبا إلى اللّه تعالى فيه إشارة إلى أنهم لا يرزقونكم بل الرزاق ذو القوة المتين هو اللّه الذي يرزقكم من فضله ، وقوله :
إِنْ شاءَ
بالتعليق على مشيئته سبحانه وتعالى فيه إشارة إلى : أولا بأن ذلك بمشيئته سبحانه إذا اتخذوا الأسباب ، وإن ذلك حسب حكمته ؛ يغنيهم إن لم يطغهم الغنى ، ويحرمهم إن كان الحرمان يفطم نفوسهم ، ويقوى إرادتهم ويعودهم الصبر ، والصبر عزيمة الأمور . ولذا ختم الآية الكريمة بقوله تعالت كلماته :
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
في الجملة تأكيد بالجملة الاسمية ، وب ( إنّ ) وبتصدير الكلام بلفظ الجلالة الذي تتصف