ويعتقدون أن ما ذكر من عذاب العصاة والمذنبين إنما هو في الدنيا ، لا في الآخرة بل إنهم ينكرون الروح ولا يؤمنون إلا بالمادة ، فهم ماديون في اعتقادهم من كل الوجوه .
والنصارى لا يؤمنون باليوم الآخر على الوجه الحقيقي ، فهم يقولون إن الذي يدين الناس به هو المسيح لا اللّه وحده .
ويعتقدون أنه شريك للّه تعالى في الدنيا على أنه الابن ، وهو بهذا الوصف هو الذي يدين ، فالطائفتان لا تؤمنان بالآخرة ولا تؤمنان باللّه حق إيمانه ، فهم يشركون باللّه في العبادة أشخاصا ، ويستوى من يشرك مع اللّه حجرا ، ومن يشرك مع اللّه شخصا ، فالاثنان مشركان ، وكلاهما يشرك من ليس له مع اللّه تعالى أمر ، ومن لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولو كان نبيا مرسلا ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم وحكى عنه ربه :
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا . . .
( 188 ) [ الأعراف ] .
وقال اللّه تعالى في تكملة أوصافهم
وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
لقد حرم عليهم في التوراة ، وهي شريعة لليهود والنصارى أكل الخنزير فأكلوه ، وحرم عليهم الربا ، فاستحلوه ، وحرم عليهم أن يسفكوا دماءهم فسفكوها ، وكانوا كالمشركين يحرمون الطيبات ويستحلون الخبائث .
ثم ذكر سبحانه وتعالى من أوصافهم التمرد على الحق ،
وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ
، أي لا يدينون دين الإسلام الذي هو الحق في ذاته ، لقيام الأدلة والبراهين والآيات القاطعة المثبتة صحة نبوة محمد ، ونزول القرآن الكريم عليه ، وعجز العرب عن أن يأتوا بمثله ، بل عجز الناس أجمعين ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، وثبت أن هذا الدين هو الحق الخالد الذي نسخ ما قبله من الأديان ؛ لأن فيه خلاصتها الباقية ، ولو كان موسى بن عمران حيا لآمن به واتبعه ، وعندهم العلم به ، لأن التوراة والإنجيل قد بشّرا به ، ويعرفون رسالة محمد كما يعرفون آباءهم وأبناءهم ، ومع ذلك تمردوا ولم يؤمنوا ولما جاءهم ما عرفوا كفروا به .