وقد بين جزاء الأعلياء المفضلين من بعد ، وبين هنا ضلال المشركين ، فقال تعالى :
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
والظالمون هم المشركون ، وقد سمى اللّه الشرك ظلم ، لأن المشرك ظلم الحق فعبد أوثانا لا تضر ، وظلم العقل المدرك فطمسه ، وظلم نفسه فتردى بها في مهاوى الضلال ، وطمس الحق ، وإن اللّه لا يهدى الذين أركسوا أنفسهم في هذا ، لأنهم لم يسلكوا نجد الحق والعقل والإدراك السليم .
وهنا إشارة بيانية ، وهي أن سياق الآية في ظاهره من غير تقدير جعل المناظرة بين سقاية الحاج وعمارة البيت الحرام ومن آمن . . . . . والمعنى إيمان من آمن ، ولكنه ذكر من آمن . . . وذلك لبيان الإيمان قائما في أصحابه محسوسا مرئيا ، لأنه تزكية ظاهرة ، ودعوة عملية إليه كقوله تعالى :
. . . وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . . .
( 177 ) [ البقرة ] إلى أخر آية البر .
وبعد أن بين اللّه تعالى أن الظالمين بسبب ما سلكوا يستمرون في غيهم يعمهون ، بين جزاء الهداة الذين جاهدوا بعد أن آمنوا وهاجروا .
الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ
( 20 ) .
هذا النص الكريم ، هو الحكم الذي أصدره اللّه تعالى في قضية الموازنة بين الإيمان والجهاد وبين سقاية الحاج ، وعمارة البيت ، فقال تعالى :
الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ
.
ذكرهم سبحانه وتعالى بأنهم أعظم درجة ، وأفعل التفضيل ليس على بابه ؛ لأنه إذا كان على بابه يكون مؤداه أن الذين اكتفوا بالسقاية والعمارة لهم درجة عظيمة عند اللّه ، وإن لم تكن الدرجة الأعظم ، إذ الحقيقة أنهم ما داموا على الشرك ليست لهم عند اللّه أية درجة ، بل إنهم في الحضيض الأوهد ، ولا درجة لهم عند اللّه قط ، وإذا كان أفعل التفضيل ليس على بابه ، فمعناه أنهم عند اللّه في درجة عظيمة ، لا تطاولها درجة ، وعبر بأفعل التفضيل لما كان من مقابلة لفظية .