تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3236

مساهمون:

ص٣٢٣٦
ويقول تعالى في إثبات أنهم لا يصدقون في عهد ما داموا ينكثون :
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ
( 8 ) . ( كيف ) هنا للاستفهام الإنكارى مع التعجب ، وهي داخلة على ما دخلت عليه ( كيف ) السابقة . أي كيف يكون للمشركين عهد عند اللّه ورسوله والحال أنهم
وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً
. . . يقال ظهر عليه إذا غلبه وانتصر عليه ، وظهر الحائط أي علاه ، وكقوله تعالى في السدّ في سورة الكهف :
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً
( 97 ) . و ( الإلّ ) يطلق بمعنى الحلف والعهد ، ويطلق بمعنى الرحم والقرابة ، ومعنى قوله تعالى :
وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ
بأن ينتصروا عليكم لا يراعوا رحما ولا قرابة ، ولا جامعة بينكم وبينهم ،
وَلا ذِمَّةً
، أي عقدا تربطون به دينكم ، فهم يرضونكم بأفواههم لا بقلوبهم . والمعنى الجملي ، كيف يكون لهم عهد عند اللّه وعند رسوله وحالهم أن ذلك عهد لكم وأنتم أقوياء غالبون ظاهرون عليهم ، فإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم رحما واصلة ، ولا عهدا عاهدوه ، فإن ذلك العهد كان لإرضائكم لا للوفاء ، وهم ينقضون ذلك العهد عند أول فرصة يفترصونها ، ويحسون فيها القوة ، ولا عهد لذليل ، وهذا عهد الأذلاء يعقدونه للإرضاء لا للوفاء ، ولذا ختم اللّه تعالى الآية بقوله تعالى ، وتعالت كلماته
وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ
فما أعدل اللّه تعالى في كلماته ، نسب الفسق وعدم انضباط النفس وانحلالها بحيث لا تصبر على العهد - إلى أكثرهم لا إلى كلهم ، ولكن هذا الأكثر هو الغالب فيهم الذي أفسدهم وجعل فيهم رأيا عاما فاسدا ، لا وفاء فيه ولا إيمان بحق ولا بعهد . ولقد وصف اللّه تعالى عهدهم بوصف يدل على أنه عهد لا يبعث عليه إلا النفاق ، فيقول عزّ من قائل :
يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ
وهذا معنى
زهرة التفاسير — صفحة 3236 | محمد أبو زهرة