ويقول تعالى :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
لأنه قد أصبح دمهم مباحا ، فقد نقضوا العهد ، ولم يدخلوا في الإسلام ، وقد تحدوا اللّه ورسوله ، وأشركوا ، والعلاقة في أصلها كانت حربا انتهت بالعهد فنقضوه ، وقد أعطاهم مهلة ساحوا فيها في الأرض آمنين ، ولم يحدثوا توبة ورجوعا إلى الحق ، فلم يبق إلا القتال . وقوله تعالى :
حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
يشمل الحل والحرم ؛ لأنهم ممنوعون من المسجد الحرام ، وهم مقاتلون ، واللّه تعالى يقول :
. . . وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ . . .
( 191 ) [ البقرة ] .
وَخُذُوهُمْ
أي شدوا الوثاق ، فقد أثخنتموهم ، وغلبتم عليهم فلكم أن تأسروا منهم من تشاءون ،
وَاحْصُرُوهُمْ
أي امنعوهم من التقلب في البلاد ، وعن ابن عباس : أي امنعوهم من المسجد الحرام لا يدخلوه ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم بأمر ربه قرر ألا يدخلوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا .
ثم قال تعالى :
وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ
أي في كل ممر ، يعنى اتخذوا القتل والتتبع المستمر لهم في كل ممر ، وكل مرصد « ظرف » أي اقعدوا لهم في كل مكان مترصدين لهم ، لا ينجون منكم ما داموا على كفرهم ، واللّه تعالى يفتح باب التوبة دائما ، ولذا قال تعالى :
فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ
التوبة هنا ترك الشرك ، وذكر اللّه التوبة ، وذكر بعدها إقامة الصلاة ؛ وإيتاء الزكاة ؛ لأن هذا يجعل الإيمان صادقا من غير نفاق وفيه خضوع لأوامر اللّه تعالى واتباع لأوامره ، ونواهيه ، ولأنه لا بد للإيمان من شواهد . وقال في جواب الشرط
فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ
أي افتحوا الطريق أمامهم ، ولا ترهقوهم بقتل ولا أسر ، ولا منع من البيت ، وعن ابن عباس : دعوهم وإتيان المسجد الحرام .
وختم اللّه تعالى الآية الكريمة بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
أي إن اللّه تعالى كثير المغفرة وكثير الرحمة ، وقد أكد اللّه سبحانه وتعالى غفرانه ورحمته ب « إنّ » الدالة على التأكيد ، وبالجملة الاسمية ، وبصيغ الصفة المشبهة الدالة على الدوام والاستمرار لغفرانه ورحمته .