وبراءة اللّه ورسوله من المشركين تتناول عهودهم التي نكثوا فيها ، وتتناول شركهم ، وتتناول طريقة حجهم وفيها إيماء بمنعهم ، ولقد صرحت به الآية الكريمة من بعد ، إذ قال تعالى :
. . . إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا . . .
( 28 ) وقد فتح اللّه تعالى باب التوبة والرجوع إلى اللّه تعالى .
ولذا قال تعالى :
فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب ، وكان الالتفات لأنه فيه انتقل من البراءة منهم إلى تقربهم إليه بفتح باب التوبة لهم بخطاب اللّه تعالى لهم مبشرا إن تابوا منذرا إن استمروا في غيهم ، فإن تبتم عن الشرك وعن الطواف عرايا وعن عداوة الرسول فهو خير لكم ، أي فالرجوع إلى اللّه تعالى هو خير لكم إذ تطهرون عقولكم ونفوسكم ، ومجتمعكم ، وما ورثتم عن جدكم إبراهيم .
وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ
أي إن أعرضتم عن سماع الحق والاستجابة له ، والإذعان ، وإسلام الوجه فيجب أن تضعوا في علمكم أنكم تحادون اللّه تعالى ، وأن اللّه تعالى غالب ولا يمكن أن تعجزوه فهو مالك السماوات والأرض ، وهو القاهر فوق عباده ، فلن تعجزوه في الدنيا والآخرة ، وقد كان الالتفات بالخطاب فيه تربية المهابة ، وهي تزيد الإنذار قوة .
ثم قال في بيان عذابهم في الدنيا والآخرة :
. . . وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
( 3 ) أي مؤلم في الدنيا والآخرة ، ففي الدنيا بالهزائم المتوالية وفي الآخرة بالجحيم .
وفي الكلام إشارتان بيانيتان :
أولاهما : أن التبشير يكون بالخبر السار ، فإذا ذكرت في الأخبار المفزعة المؤسفة ، فذلك لا يخلو من تهكم واستهزاء ، ومن هذا قوله تعالى :
وَبَشِّرِ
. . .
بِعَذابٍ أَلِيمٍ
.