تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3086

مساهمون:

ص٣٠٨٦
وقد تكلم العلماء في الفرار ، فأجازه بعضهم إذا كان العدو كثيفا ، والمؤمنون قلة ، وهم مأكولون لا محالة ، ونحن لا نجيز تولية الأدبار مطلقا ، لأنه تمكين من رقاب المؤمنين ، وإذهاب للبأس ، ولكن نجيز التراجع المنظم كما فعل القائد العظيم خالد ، إن تولية الأدبار إذلال للمؤمنين وتمكين من القتل الرخيص وليس هو التراجع الحكيم ؛ لأن المتراجع يحمى صدره ، والمولى الأدبار يمكنهم من ظهره . وقد بين اللّه سبحانه في النهى عن الفرار جزاء من يولهم يومئذ دبره ، فقال تعالى :
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ
أي يوم الزحف ولى مدبرا مضطربا
فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ
أي رجع مغضوبا عليه من اللّه تعالى ، فغضب عليه ، والواجب أن يطلب رضوانه ،
وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ
، أي الذي يأوى إليه جهنم
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
. وبعد ذلك بين اللّه سبحانه وتعالى أن النصر بيد اللّه ، وأنه سبحانه هو الذي يهزم المشركين ، وهو الذي يرميهم فقال تعالى :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
. وفق اللّه المؤمنين في هذه الغزوة ، كانوا قلة فأراهم المشركين كثيرين ، ورأوا المشركين قليلا وهم كثيرون ، وسهل اللّه السبل للمؤمنين فألقى في قلوبهم الرعب وأمدكم بالملائكة ، فملأكم روحانية وجعلهم اللّه بشرى لكم ، واطمأنت قلوبكم ، وغشاكم النعاس ، وأنزل عليهم الماء فثبّت به الأقدام وطهر رجز الشيطان . أمدهم اللّه تعالى بهذا فكان النصر ، وقد قال تعالى :
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ
[ البقرة : 249 ] فكان النصر من عند اللّه ، وكما قال تعالى :
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ
[ آل عمران : 123 ] ولما أصابهم الغرور ، وحرمهم اللّه من نصره ابتداء ولوا الأدبار ، وقال اللّه تعالى في ذلك :
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ
[ التوبة : 25 ] لهذا التوفيق