وذلك التأييد الذي تكاثر في غزوة بدر نسب اللّه تعالى النصر إليه سبحانه ، والقتل إليه والرمي إليه ، فقال تعالى :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ
نفى سبحانه أنهم قتلوهم ، لأنهم لم يكونوا المسلطين عليهم من أنفسهم إنما سلطهم اللّه تعالى عليهم ، وهو الذي أرادهم ، و « الفاء » مترتبة على ما قبلها ما دام اللّه تعالى هو الذي هداهم وحرضهم ، وأيدهم بنصره ، وبملائكته ثم قال :
وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ
إما أن نقول إن القتل حق لله تعالي ؛ لأنه هو الفاعل المختار ، وإن نظرنا إلى الأسباب العادية نقول : إنه من قبيل إطلاق المسبب وإرادة السبب ، فلأن اللّه تعالى هو السبب في القتل أسند القتل إليه .
وكذلك قوله تعالى :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
.
قال بعض المفسرين على أن المراد من الرمي هو الرمي بالنبال المريشة التي تصيب المقاتل ، ويكون من قبيل إطلاق المسبب وإرادة السبب ؛ لأن اللّه تعالى هو السبب إذ هو الموفق ، وهو المؤيد ، وهو الممد بالملائكة وهو سبحانه وتعالى ملقى الرعب في قلوب المشركين .
وقال بعض المفسرين : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم عندما التقى الجمعان قبض قبضة من التراب ، ورمى بها المشركين ، وقال : « شاهت الوجوه » « 1 » ، فاضطربت الأبصار ، وزاغت القلوب .
فقوله تعالى :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
أي فلست أنت الذي رميت إنما اللّه تعالى هو الذي رمى ؛ ولذلك أفرد النبي صلى اللّه عليه وسلم بالخطاب لأنه هو الذي رمى .
وإني أميل إلى التفسير الأول لأنه هو الأوضح ، ونحن نميل إلى الواضح من الآراء .
هامش
( 1 ) انظر صحيح مسلم : الجهاد والسير - غزوة حنين ( 1777 ) .