للترتيب والتراخي لبعد ما بين السيئة والتوبة ؛ لأن السيئة فعل قبيح لا يرضى اللّه - سبحانه وتعالى - والتوبة رجوع إلى اللّه ، فالمنزلتان متباعدتان تباعد البعد من اللّه بالسيئات ، والقرب منه بالتوبة ، وقوله تعالى :
تابُوا مِنْ بَعْدِها
يوحى إلى أن التوبة لا تكون بعيدة الزمن ، كما قال تعالى :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ . . .
( 17 ) [ النساء ] .
آمَنُوا
، أي أذعنوا للحق ، فكأن التوبة لها ثلاث خطوات هي الشعور بالذنب والندم ، ثم التوبة ، ثم الإذعان لحقائق الإيمان بحيث لا يعودون لمثلها أبدا .
وقد وعدهم اللّه تعالى بقبول التوبة فقال :
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
، أي إن ربك الذي خلقك وكونك من بعد هذه التوبة النصوح
لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
إن هذا بيان لقبول التوبة ببيان وصف قابلها ، وهو أنه غفور للذنوب قابل للتوب ، وأنه رحيم بعباده يريد لهم التوبة ، ولا يريد لهم العقاب إلا أن يصروا إصرارا .
وفي هذا النص تأكيد بقبول التوبة بالتأكيد بالجملة الاسمية ، وبوصف الربوبية ، وبوصف الغفران والرحمة ، وب « إن » وباللام في قوله :
لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
.
وإن اللّه تعالى في القرآن الكريم حيث يذكر العقاب يذكر التوبة وقبولها حتى لا ييئس المذنب من غفرانه ، فينساق في معاصيه وهو يقنط من غفران اللّه ورحمته ، قال تعالى :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
( 53 ) [ الزمر ] .