عاشر بنو إسرائيل أهل مصر زمانا فأثروا فيهم بأخلاقهم ، وإن الضلال يعدى كما تعدى الأمراض البدنية ، وقد سرت إليهم عدوى تقديس العجل ، وعبادته ، كما انحلت عقيدة الوحدانية منهم ، وقد أكدها موسى - كليم اللّه عليه السلام - ولكنهم لما رأوا قوما عكفوا على أصنام لهم طلبوا من نبيهم موسى - عليه السلام - إلها كما لهم آلهة .
وقد ذكر اللّه تعالى عبادتهم العجل في آيات كثيرة ، وكان يذكرها في أكثر الأحيان بالإشارة العابرة ، بيانا لضلالهم ، وفي هذه يذكرها - سبحانه وتعالى - ببعض التفصيل ، ويذكر وقتها وهو أنه كان ، وقد غاب موسى لتلقى الألواح ، ومناجاة ربه ، فجاءهم ، وقد اتخذوا العجل ، صنعوه من حلى صناعة محكمة وعبدوه ، صنعوه بحليهم ، وجعلوه على صورة جسد عجل ، ومهارتهم في الصناعة التي اشتهرت بها مصرفى ذلك الإبان ، وضعوه في وضع إذا مرّت الريح في موضعه من الخلف صار له صوت يشبه خوار البقر وادّعوه إلها ، ولنتل الآيات الكريمة في ذلك :
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ
.
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى
، أي فعل بعضهم ذلك وسكت عنه سائرهم ، فنسب الفعل إلى كلهم ، فقد كان فيهم هارون ، وما كان ليرضى ولم يسكت ، حتى استضعفوه وكادوا يقتلونه وفيهم صفوة من الفضلاء ، كان منهم النقباء .