تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 2946

مساهمون:

ص٢٩٤٦
قال تعالى :
لَنْ تَرانِي
وقد علمت قول الناس في ذلك ، ثم كان الاستدراك تلطف لموسى ، وتقريب له لمعنى نفى الاستطاعة ، فقال :
وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي
، والجبل أقوى وأشد وأضخم من موسى فإن استقر حين تجلى اللّه وبزوغ النور الإلهى فسوف تراني ، ولكنه إن لم يستقر فإنك لن تراني .
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا
أي فلما ظهر نور اللّه على الجبل متجليا له
جَعَلَهُ دَكًّا
، أي مستويا بالأرض ، وكان لذلك ما يثير الفزع في نفس موسى
وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً
، كأنما أصابته صاعقة ، وغشى ،
فَلَمَّا أَفاقَ
أحس بأنه طلب ما ليس له ، وما هو فوق طاقته البشرية ، وما لا يتحقق في الدنيا - استغفر ربه ، وسبحه ، فقال :
سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
. تاب موسى من هذا الطلب الذي تبين له أن اللّه لا يجيبه في الدنيا ، وما كان ذلك خطيئة ارتكبها ، ولكنه خطأ لا ذنب ، ولكن النفس المؤمنة التي تحس تستكثر خطأها ، وتستقل صوابها ، أحس أنه ذنب يتاب منه ، وما هو بذنب ، وكذلك استتابة المرسلين تكون من أخطاء تغتفر ، بل لا حساب عليها ، ولكن يعظم أمرها في نفوسهم فيتوبون . وأكد - عليه السلام - استغفاره ، وكمال إيمانه فقال :
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
، أي ببعدك عن الشبيه ، وأنك منزه عن كل نقص ، وأول المؤمنين بأنك لا ترى في هذه الدنيا . وقد استجاب اللّه تعالى لاستغفاره وتوبته النصوح وقال تعالى :
قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ
( 144 ) .
زهرة التفاسير — صفحة 2946 | محمد أبو زهرة