ذهب موسى إلى جبل الطور ليتلقى تعاليم ربه على موعد منه ، وكانت المدة ثلاثين ليلة ، أي ثلاثين يوما ، وذكرت في القرآن الليالي دون الأيام ؛ لأن الأشهر القمرية أمارة ظهورها بالليل ، إذ يبزغ القمر هلالا ، ويتدرج في النمو حتى يصير بدرا ، وتعرف الأوقات من الشهر بمقدار الهلاك .
وقد قيل : لما ذا ذكر الثلاثين ثم أتم الأربعين بعشر ليال أخر ؟ ، فقالوا : إن موسى عندما ذهب إلى التجلي استشعر روحانية ، وقالوا : إنه استنشق ريح المسك ، فطلب تلك العشر الزيادة ، فأتمها اللّه تعالى أربعين ليلة ، والتصريح بالأربعين مع أن العدد مفهوم من ذكر العشر بعد ثلاثين ، وذلك لبيان استجابته سبحانه لما طلب موسى ، وذكر ذلك من شعائر الإنعام .
خلّف موسى بني إسرائيل ، وفيهم عناصر متضاربة متباينة وهم أهواء مختلفة وفيهم تردد ، كما ظهر عندما أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ، فطلبوا أن يكون لهم إله كما لهؤلاء آلهة .
مع هذه الحال ، خلفه فيهم أخوه هارون ، فهو ردء موسى ومعينه وهو نبي ، ولكن الذي تلقى التوراة أو الألواح هو موسى .
قال موسى لأخيه هارون
اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي
، أي كن خليفتي في قومي ، ترعاهم وتصلح أمرهم ؛ ولذا قال في تحقيق الخلاقة :
وَأَصْلِحْ
أقم فيهم الحق ، والعدل والإصلاح بينهم ، فاحفظ وحدتهم وحارب دعاة التفرق ؛ ولذا قال له :
وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
، أي تجنب أن تساير المفسدين ، بل اقطع عليهم الطريق ، ولا تمكنهم من فسادهم ، وكأنه بفطنة النبوة أدرك أنهم سيحدثون أحداثا من بعده - كما سيجئ - باتخاذهم العجل ، وإن لم يكن قد توقع ذلك بالذات ، ولكن توقع غيره وسبل الشيطان مثارات مختلفة .