المصريون فقد لانت عقيدتهم ، وصاروا مترددين لا يؤمنون بشيء ولذلك قالوا ما قالوا ؛ لأنه لم يثبت في قلوبهم التوحيد الذي جاءهم به موسى ، وصاروا كالأعراب الذين قالوا لرسول اللّه محمد صلى اللّه عليه وسلم آمنا ، فأمر اللّه تعالى نبيه بأن يقول :
. . . قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ . . .
( 14 ) [ الحجرات ] .
والقوم الذين أتوا عليهم قيل إنهم كانوا بالسويس ، إذ كانت أول يابسة جاءوا إليها ، واللّه أعلم ما هؤلاء الأقوام ، ولكن نستبعد أن تكون السويس ؛ لأن ظواهر الأخبار تبين أنها كانت تحت حكم فرعون ، وجزءا من مصر .
قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
، أي تجهلون العقائد السليمة ، والعقائد الباطلة ، والمتردد جاهل ، غير مدرك ، وإنهم خرجوا من حال كافرة إلى حال مؤمنة موحدة ، ولما يدخل الإيمان قلوبهم .
وأكد لهم موسى ببيان بطلان هذه العبادة ، فقال :
إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ
هالك ما هم فيه ، والتعبير يتضمن معنى التخريب والفساد ، كما قال تعالى :
. . . وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً
( 7 ) [ الإسراء ] ، أي أنه عمل فاسد ، لا أصل له من الحق ، فهم في ضلال
وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
وقدم الخبر على المبتدأ لتأكيده الحكم بالبطلان على ما يعملون ، ثم أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوبخهم على ما طلبوا من ناحية بطلانه في ذاته ، ومن ناحية أنه كفر بالنعمة التي أنعم بها عليهم ، فقال في توبيخهم في الأولى :
قالَ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً
، أي أطلب لكم إلها وحذفت اللام ، وذلك توبيخ بالاستفهام الإنكارى ، أي لا يمكن أن أفعل ذلك وأنا الذي دعوت فرعون إلى التوحيد ، وبيّن أن ذلك كفر بنعمة اللّه تعالى ، وهو يزيد الأمر استنكارا فقال :
وَهُوَ فَضَّلَكُمْ
، أي جعل لكم فضلا
عَلَى الْعالَمِينَ
بأن تولى هو إنقاذكم من ذل فرعون واستعباده . وهو دال على استنكار موسى بسبب ما أعطاهم اللّه من نعم لم ينعم بها أحد من العالمين ، وهي آية عظيمة من آيات رب العالمين تدل على كمال توحيده ، وأنه المتفرد بالإيجاد والخلق والتدبير ، فقال :
وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ
، أي اذكروا نعمة اللّه