تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1113

مساهمون:

ص١١١٣
المقصود منها تشويه الحقائق وتضليل العقول ، وقد قصدوا في الأمرين الضلال . وإن اللّه سبحانه وتعالى قد بيّن بعد ذلك أن معرفة المآل عند اللّه تعالى وحده ، ومعرفة المعنى قد يدركها الراسخون ، فقال سبحانه :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
في هذا النص الكريم قراءتان : إحداهما بالوقف عند لفظ الجلالة ، والابتداء بقوله تعالى في استئناف للقول :
الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ .
وهذه القراءة يستفاد منها أن معرفة التأويل والعلم به هي لله وحده ، وعلى هذا يكون التأويل بمعنى معرفة مآل ما اشتمل عليه القرآن من أخبار اليوم الآخر وغيره من مغيبات عن الحس . والقراءة الثانية بالوصل من غير وقف ، بعطف الراسخين في العلم على لفظ الجلالة ؛ ومعنى هذا أن العلم بالتأويل عند اللّه ، ويعرفه الراسخون في العلم من غير زيغ مع استقامة المنهاج ، ووضوح الغاية ، والتأويل هنا بمعنى التفسير وتعرّف المراد علما . وإذا كانت قراءات القرآن سنة متبعة وكل قراءة هي بذاتها قرآن متلو مبين ، فمجموع القراءتين يشير إلى أن التأويل قسمان ؛ أحدهما : علم بالمآل والغاية ، وهذا لا يعلمه إلا اللّه ، كما أشارت القراءة الأولى ، والقسم الثاني من التأويل علم بالتفسير والمراد من الألفاظ ، وهذا يعلمه اللّه ، وقد يعرفه الراسخون في العلم ، وهم في الحالين يقولون آمنا ، أي صدقنا وأذعنّا ، كل من عند ربنا ، فهم مفوضون مؤمنون مذعنون في حال علمهم وجهلهم ، مصدقون بأن المحكم والمتشابه من عند اللّه . فمعنى
كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
أي كل واحد منهما يجب الإيمان به من غير تشكيك . وهذا هو الفرق بين الزيغ ، واستقامة الفكر ؛ فالمستقيم المفكر المؤمن يتقدم الإيمان على طلب التأويل ، أما الآخر فيطلب التأويل ليلقى بالريب والشك .