ولقد ادعى بعضهم لهذا الحديث أن الآية منسوخة ؛ لأن حديث النفس لا يمكن التخلص منه ؛ وأنها نسخت بقوله تعالى :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها . . .
( 286 ) [ البقرة ] ولكن ذلك القول غير مقبول ؛ لأنه لا تعارض بين الآيتين ، حتى تنسخ إحداهما الأخرى ، كما أنه لا تعارض بين الآية والحديث الشريف ؛ لأن حديث النفس ليس هو ما تكسبه النفس ، ويعزمه القلب ، وينويه الشخص ويصر عليه ؛ وإنما هو تلك الخواطر النفسية التي تعرض للإنسان فتوجهه نحو الهوى والشهوة ؛ فإن سار وراءها حتى اعتزمها وأرادها وأصر عليها ، ولكن عاقه عائق عن تنفيذها ، لا يكون حديث النفس ، بل يكون كسب النفس ، ولكل نفس ما كسبت ، وعليها ما اكتسبت ؛ فالمرتبة الأولى وهي تلك الخواطر ليست موضع مؤاخذة ، بل إن التغلب عليها ، وكفها بعد مكافحتها موضع ثواب ؛ لأنه جهاد النفس ، وجهاد النفس هو الجهاد الأكبر ، كما ورد في الأثر « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » « 1 » ويقصد به جهاد النفس ؛ إنما موضع المؤاخذة الإصرار بعد الخواطر .
وعلى ذلك : نقول إن موضع التجاوز هو حديث النفس ، وموضع الحساب هو الإصرار والنيات ، والاتجاه القلبي إلى الأذى والانتقام وقد بينا ذلك من قبل .
فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
وإن هذه نتيجة الحساب ، فيستر الله سبحانه وتعالى ذنوب من يشاء ويعفو عنه ، وإنه ليعفو عن كثير كما ذكر سبحانه ، ويعذب من يشاء جزاء ما اقترف من آثام ؛ وإن مشيئة الله سبحانه وتعالى لا قيد يقيدها ، ولا شئ يحدها ، ولكنه سبحانه يغفر لمن سار في طريق الهداية ، ولم تركس نفسه في المعاصي ، ولم تحط به خطاياه حتى تستغرق نفسه ، وتستولى على حسه ، ويغلب عليه حب الخير ؛ وهذا معنى قوله تعالى :
إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ . . .
( 114 ) [ هود ] . أما من استولت عليه الشهوات ، وأحاطت به
هامش
( 1 ) كشف الخفاء ج 1 ص 511 ( طبع مكتبة التراث الإسلامي تحقيق أحمد القراش ) .