أعمال القلب ليست معفاة من الإثم دائما ، إنما الذي يعفى من العقاب ما يجول بخاطره ويتمناه من غير أن يكون له أثر في الجوارح ، أما ما يعتزمه ويصمم عليه ، ويتجه إليه ، ولكن يفوت التمام لأمر خارج عن إرادته وليس له قبل به ، كمن يعتزم قتل شخص ويذهب إليه ليفترسه ، وقد عقد النية ، واستحصد العزيمة ، ولكن أفلت من يده ، أفلا يكون ثمة إثم ؟ وأحيانا تكون عزيمة القلب وحدها هي موضع المؤاخذة ، وذلك إذا كان عمل القلب كف الجوارح عن العمل في موضع يجب فيه العمل ، فترك الواجبات كلها موضع مؤاخذة ، ومن ذلك ترك الشهادة . وفي الشرع الإسلامي جرائم تسمى جرائم الترك ، وهي الجرائم التي يكون الجزاء فيها ليس على الفعل ، ولكن على ترك واجب ، كمن يرى شخصا يموت جوعا ومعه مال ولا يسد غائلة جوعه ، وكمن يرى أعمى يتردى في بئر ويتركه قاصدا بالترك أن يموت ، وهكذا ؛ ومن ذلك النوع كتمان الشهادة ، فهو ترك الواجب ، وهو إثم وجريمة بسبب ذلك الترك .
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
ختمت الآية الكريمة بهذه الجملة السامية ، للوعد والوعيد ، ببيان علم الله ذي الجلال والإكرام المنتقم الجبار علما دقيقا بما يعمله كل إنسان ؛ يعلم الخير والشر ، ويعلم ما تخفى الصدور ، وما تكنه القلوب ، وما يظهر على الجوارح ، فيجازى على الإحسان إحسانا ، وعلى السوء سوءا ؛ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ، ومن يأكل أموال الناس بالباطل إنما يأكلون في بطونهم نارا ويصلون سعيرا .
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
في هذه الجملة السامية بيان لشمول ملك الله سبحانه وتعالى ، وفي ذكر هذا الشمول بعد الآيات التي بينت أحكام الأموال ببيان مصارف البر ، ومواضع التحريم ، وطرق التعامل ، وما يوجد الثقة - إشارة إلى معان عامة وخاصة :
أما العامة فهي بيان أن ما في يد الإنسان عارية مستردّة ، وأن المالك في الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى ، فلا يغتر ذو مال بماله ، ولا تذهب به النهمة إلى طلبه من غير حلال ، فإن يده زائلة عنه لا محالة ، وعليه أن يجمل في الطلب ، وأن ينتهز