تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1047

مساهمون:

ص١٠٤٧
هذه حقيقة الربا ، وهي واضحة إلا عند الذين يتقبلون تشكيك المشككين وقد كان أهل الجاهلية يسوغون الربا مع إحساسهم الفطري بأنه ليس أمرا حسنا ، وكانوا يسوغونه بعقد المشابهة بينه وبين البيع ؛ ولذا قال الله تعالى فيهم وفي الرد عليهم :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا
لقد عقد أولئك المشركون مقايسة بين البيع والربا ، فقالوا : إن البيع يماثل الربا ، فكما أن كسب البيع حلال ، فكسب الربا حلال أيضا ، ولا فرق بينهما في نظرهم الكليل ، كالذين قالوا مقالتهم في ظل الإسلام ، لا في حكم الجاهلية . ولكن ما الوصف الجامع في نظرهم بين البيع والربا ؟ لعلهم نظروا إلى أن البيع قد يكون فيه بيع ما يساوى عشرة بخمسة عشر ، فكان كسبه من تلك الزيادة ، وهي حلال ، فكذلك إعطاء مائة وأخذ عشرين ومائة حلال أيضا ؛ وإلى أن من يقترض مالا ليتجر فيه يكسب منه وكسبه حلال بالبيع والشراء ، فكذلك يكون الربا بالمشاركة في هذا الكسب ؛ وإلى أن البيع بثمن مؤجل أكثر من الثمن العاجل حلال ، فكذلك تأجيل الدّين في نظير زيادة يكون حلالا ، وتكون الزيادة كسبا طيبا . ذلك قولهم ، وقد ردّ الله سبحانه وتعالى قولهم بقوله :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا
فهذه الجملة السامية رد من الله سبحانه وتعالى لقولهم ، وعلى ذلك جمهور المفسرين ، ويؤيده قوله تعالى :
فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ .
ومرمى الرد الحكيم ، أن طالب الحق من عند الله يجب عليه أن يتلقى حكم الله من غير محاولة تشكيك ولا اعتراض ، والله قد حرم الربا وأحل البيع ، فحق على كل امرئ يؤمن بالله أن يذعن لحكم الله ، من غير تململ ولا اعتراض ؛ وإنه نظام الله الذي ارتضاه ، ولم يرتض سبحانه سواه ، وإن هذا الكلام جدير بأن يخاطب الذين يحاولون التخلص من النهى عن الربا بالتفرقة بين الاستدانة للاستهلاك ، والاستدانة للاستغلال . وإن التفرقة بين البيع والربا واضحة ؛ فإن البيع موضوعه عين مغلة أو منتفع بها مع بقاء عينها ، أو يجرى عليها الغلاء والرخص ، فكان من المعقول أن يجرى