للفقير ما يؤلم ، أو للقائم بالمصلحة العامة التي أنفقوا في سبيلها ما يثبط همته ، وينهنه من عزيمته . وفي ذكر هذا الوصف الكريم في هذا المقام إشعار بأن المن والأذى ذنب كبير يستحق العقاب ، ولكن لحلم الله تعالى ، ولأن رحمته سبقت عذابه أمهل ولم يهمل .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
هذا نهى صريح واضح عن المن والأذى ، وقد تضمن هذا النهى الحاسم أن الصدقات يبطلها المن والأذى ، فلا يكون لها أجر من الله ، ولا يكون لها شكر ممن أسدى إليه ، سواء أكان الإنفاق في سبيل النفع العام ، أم كان لبعض آحاد الأمة بسد الخلة ، ودفع الحاجة ؛ وقد أكد سبحانه النهى عن المن والأذى بثلاثة توكيدات :
أولها : تصدير الآية الكريمة بنداء للبعيد وفي ذلك فضل مبين ، وبأن النداء للذين آمنوا ، وفي هذا إشعار بأن الأذى في الصدقات ليس من صفات أهل الإيمان ، إنما هو من صفات أهل الصلف والكبرياء والذين يمنون على الله وعلى الناس إن فعلوا الخير ، وليست الكبرياء والاستطالة بفضل العطاء من صفات المؤمنين .
وثانيها : أنه صرح سبحانه بأن المن يبطل الصدقة ، ولا يجعل لها ثوابا عند الله ، ولا شكرا من الناس ؛ ولذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر » « 1 » وتلا قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى .
وثالثها : أنه سبحانه وتعالى جعل المنفق مع المن والأذى كالمنفق رئاء الناس ، والمنفق للرياء والسمعة مشرك شركا خفيا ؛ ولذا وصف سبحانه وتعالى الذي ينفق ماله رئاء الناس ، بأنه لا يؤمن بالله واليوم الآخر ، فأفعاله كقلبه ليست أفعال المؤمنين ، وقلبه ليس قلب مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر ؛ وإذا كان المنفق الذي يتبع صدقته بالمن والأذى مثله ، فإن إبطال الصدقات أقل ما يناله .
هامش
( 1 ) ذكره القرطبي في تفسيره : البقرة ( 264 ) عن ابن سيرين رضي الله عنه .