تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 976

مساهمون:

ص٩٧٦
وقد بين سبحانه جزاء الذين ينفقون على هذا الوجه لا يبتغون إلا رضاه سبحانه ، ولا يرجون ثوابا من أحد سواه ، فذكر جزاءين عظيمين : أولهما :
لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
أي لهم جزاؤهم مكافأة لهم على أعمالهم وسماه سبحانه وتعالى أجرا ، وهو المعطى الوهاب ، توثيقا للعطاء ، وقال سبحانه : « لهم » ، ولم يقل مثلا : « أعطيهم » ، ولكلام الله تعالى المثل الأعلى للإشارة إلى أنه كان لهم بنياتهم ، واستحقوه باحتسابهم ، وليعلمهم كيف يكون العطاء من غير أجر ؛ إنه سبحانه وتعالى هو الذي منحهم المال الذي أعطوا منه ، وهو الذي وفقهم لأن يعطوا ، وهو الذي يملكهم وما ينفقون وما يعملون ، ومع ذلك يسمى ما يعطيهم أجرا قدموا مثيله من قبله مع أنه يعطيهم أضعافا كثيرة عنه ، ولكنه يعلم الناس كيف يكون البعد عن المن ، وكيف العطاء غير ممنون . الجزاء الثاني الذي ذكره رب العالمين هو الأمن والاطمئنان ؛ ولذا قال سبحانه :
وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
وقد نفى سبحانه وتعالى الخوف ، ولم يقل لا يخافون ؛ لأن الخوف أمر نفسي ، وقد يكون من غير مخوف ، وتكون الخشية والخوف من شأن المؤمن شعورا بتحمل التبعة ؛ ولذا نفى سبحانه الخوف أي الأمر المخوف ، أي لا ينزل بهم أمر من شأنه أن يخافوه ، ولم ينف الخشية النفسية في ذاتها ؛ إذ الحال النفسية من قوة الإحساس ؛ ولذا يقول الصوفية : غلب الخوف على الرجاء . أما الحزن وهو الهم الذي يصيب القلب فهو منفى في كل صورة ولا يصح أن يكون حالا من حالات الإيمان . وما الخوف المنفى والحزن ؟ أهما ما يكونان في الآخرة ؟ جل العلماء على ذلك ، ولكن لما ذا لا يراد ما هو أعم من أحوال الدنيا والآخرة ؟ وإن ذلك ما نختاره ؛ لأن الإنفاق في سبيل الله يدفع خطر الأعداء من خارج الأمة ، ويجمع الوحدة ويقضى على أسباب الفتن الداخلية ، فيكون الأمن في الداخل والخارج معا ، فالمنفقون في سبيل الله لا خوف عليهم في الدنيا ، ولا يحزنون في الدنيا أيضا كما أنهم لا خوف عليهم في الآخرة ولا يحزنون .